أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

كذا أنت يا أبي كشمس النهار

الأب هو الشخص المسؤول عن الأسرة، كالأم والأطفال، فهو القدوة الحسنة لهم، في المقابل نجد الزوجة أيضاً تقوم بتربية الأبناء ورعايتهم، فقد تلبس حذاء أبيك فخراً فتتعثر من كبر حذائه لصغر قدمك، وتلبس نظارته فتشعر بالعظمة، وتلبس عمامته فتشعر بالوقار، تطلبه مفتاح سيارته وتحلم أنك هو، وأنك تقودها، ومتى اتصلت عليه يتقبلك بصدرٍ رحب، تطلبه بكل هدوء:
)بابا جيب معاك عصير فراولة)، فيرد عليك: (حاضر من عيوني بس خليك رجل ولا تعذب أمك).
واليوم، قد لا تلبس حذاءه بسبب ذوقه القديم، قد تحتقر حتى ملابسه وأغراضه وسيارته التي كنت تباهي بها لأصحابك لأنها لا تروق لك، وحركاته تشعرك بالاشمئزاز ويصيبك الإحراج منه لو قابل أصحابك، قد تتأخر فيقلق عليك ويتصل بك فتشعر بأنه يضايقك وقد لا ترد عليه إذا تكرر الاتصال والقلق، تعود للبيت متأخراً فيوبخك ليشعرك بالمسؤولية ويستمر في مشوار تربيتك، قد ترفع صوتك عليه وتضايقه بكلامك وردودك فيسكت، بالأمس في شبابه يرفعك على كتفه واليوم أنت أطول منه بكثير، هذا كله لأنه والدك، فكما تحملك في طفولتك فتحمله في مرضه و شيخوخته، إذاً الأب هو من رباني على حساب صحته وهو الذي سيبقى أعظم حـب بقلبي للأبد. لقد ارتبط مفهوم التربية مع وجود المرأة، فعندما نتحدث عن الطفل، نتحدث عن الأم مباشرة دون أن نلقي الضوء على دور الأب، وأهمية دوره في بناء شخصية الطفل، فوجود الأب في حياة الأطفال، يعني الحماية والرعاية، ويعني القدوة والسلطة والتكامل الأسري، فالأطفال بحاجة إلى أن يشعروا بأن هناك حماية ورعاية وإرشاداً يختلف نوعاً ما عما يجدونه عند الأم، برغم أنها هي الأساس في حياة الطفل منذ الولادة، إلا أن دور الأب يبقى أهميته من نوع آخر، وذلك من خلال تقديم الحنان الأبوي، والسهر على حياة الطفل وحمايته من كل أذى، بالتواصل معه والتقرب منه، فينمو الطفل ويكبر على أسس تربوية سليمة، فالأدوار التي يقوم بها كل من الأب والأم مهمة جداً في الإنماء التربوي للطفل رغم اختلافها.
أحياناً نشهد في مجتمعاتنا، أن الأب أصبح دوره مجرد بنك للتمويل، يكد ويشقى لتوفير لقمة العيش والرفاهية لأبنائه، ويغيب لساعات طويلة عن المنزل، وأصبح كالضيف الذي يحل على البيت ليأكل وينام فقط، لا يعلم بالقرارات التي يتخذها أبناؤه في غيابه، سواء في اختيار الملابس أو الأصدقاء، أو حتى في تحديد مصيرهم التعليمي، أو في ما يرتكبونه من أخطاء، بسبب المشاغل وضغوط الحياة، كم أنت كبير يا أبي وكذا أنت يا أبي كشمس النهار.
كم سهرتُ معي وكم كنت الأنيس لي في وحدتي، كنت يا أبي الرفيق على طول الطريق وعلى مر الأيام والسنين، لقد أخذك الموت عني وأصبحت لا تراني ولا أراك، وهذه سنة الحياة وكلنا على سبيل ذات الدرب سائرون، فرحمك الله رحمةً واسعة وجمعني بك في مستقر رحمته، كنت أستيقظ في كل يوم على إيقاع أجمل الأسماء المليئة بالعطف والحب والحنان، والآن فقدتها فقداناً أبدياً بسبب رحيلك، هل لنا يا أبي أن ننسَى العمر؟ وأنت في القلب عمرٌ؟ وهل لي أن أنسى روحاً وفيضاً وكرماً ورقياً ونضالاً وشجوناً وعشقاً جميلا؟ تشبهك الأيام في مرحها، وتشبهك لحظات الفرح وهمسات الشوق والصباحات الجميلة.
لا يشبهوني كثيراً أبنائي، لكنهم حتماً يشبهونك أكثر وقد عشقوا طيفك حتى أصبحتم تتشابهون في الخطوات والكلمات واللمسات والابتسامة، أنا شيء من أبي وأبي كل أشيائي، فسلامٌ أنيق لأرواحٍ سكنت قلوبنا وعمرتها بالوفاء، إن حضروا حضرت السعادة، وإن غابوا يبقى عطرهم يجوب المكان.
أبي، أنت في الذاكرة، لم ولن أنساك وبعدك الأيام حزينة، فيا تلك الدموع التي تلازمني، فهي متنفسي حين تأسرني الحياة، أنت الأمل وشمس النهار، ذكرياتك تروي عطشي وتسقي بالدمع صمتي، فلا الصمت يحكي ألمي ولا الكلمات تلملم جروحي، ولكن حين أكتب عنك في حضرة وجودك الغائب، أشعر بالراحة النفسية والأمل والحلم الجميل.
كم أتمنى أن أعود للوراء لأعانق أرواحاً لم تخبرني بموعد رحيلها، وحقيقة الموت أخذت روحك لتصعد إلى بارئها، فعجز لساني عن الكلام وعقلي عن التفكير وقلبي عن التعبير، أبي يا صاحب القلب الكبير، يا تاج زماني وأيامي ويا صدر الأمان، أبي يا أحلى نشيد يا نغمة جميلة، أبي أراك بداخلي وكم أراك جميلاً رائعاً، أبي أسمع صوتك يملأ الأرجاء فلما يذوب البعدُ سنلتقي.

*خبير المناهج وطرق تدريس اللغة الإنجليزية
الدوحة – قطر

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: