أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

السودان وتقاطعات القرن الإفريقي (1) في مقاربات سياسة بايدن الخارجية المتوقعة

كانت القاعة الرئيسية في فندق بايريشا هوف العريق في ميونخ تغلي عقب الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس الحالي مايك بينس أمام مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير من العام ٢٠١٧ ، وهو يعيد على أسماع قادة أوروبا سياسة ترامب التى تطلب منهم دفع نفقات حماية الولايات المتحدة للدول الأوروبية، وأن عهد الخدمات المجانية أو ما أطلق عليه free riders قد انتهى إلى غير رجعة.
كانت التعابير التي تلوح في وجه المستشارة الألمانية ميركل مزيجا من الصدمة و الشعور بالإهانة، وكانت ملامح الامتعاض في وجهها كافية لفهم تركيبة المشهد، إذ قالت للمؤتمر عقب كلمة مايك بنس المتهم بالتشدد: يجب علي أوروبا من الآن فصاعدا أن تعتمد علي حماية نفسها.
كنت أشاهد مداولات المؤتمر ضمن وفد السودان في قاعة جانبية، عندما صعد جو بايدن نائب الرئيس السابق والرئيس المنتخب الآن المنصة و قال كلمة حاسمة مفادها: “لا تحكموا على أمريكا وقيمها الراسخة من خلال السلوك الشعبوي لإدارة الرئيس ترامب. فى الانتخابات القادمة ستعود أمريكا كما عهدتموها صديقا دائما وقويا لأوروبا ومواصلة علاقات التعاون كما كانت سائدة من قبل”. بعثت كلمة بايدن الارتياح في أرجاء المؤتمر لكن لم يكن هناك ثمة تفاؤل بفوز المرشح الديمقراطى امام رئيس يتصف بالتهور والشراسة والقدرة على خلط الاوراق.
ذلك المشهد اختزل روح التشكيك فى علاقة الرابطة الأطلنطية بين ضفتي المحيط التي اتسمت بالجفوة والاضطراب أثناء فترة ترامب.
مع إعلان جون بايدن فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية بأغلبية غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الامريكية يوم ٦ نوفمبر، أصبح يتحمل تركة مثقلة من ارث الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية.لعل ابرز ملامح هذه التركة تضعضع صورة الولايات المتحدة في العالم، اذ اهتزت مكانتها الرمزية كزعيمة للعالم الحر ، وحامية للنظام الليبرالي العالمي، وتحولت صورتها تحت إدارة ترامب الى دولة مساومة برغماتية تهتم بإبرام صفقات محدودة الاثر لمن يدفع اكثر دون مراعاة لمنظومة القيم الامريكية المتوارثة في السياسة الخارجية.
ومع انسحاب إدارة ترامب التدريجي من تعهدات الولايات المتحدة العالمية ومنظومة المؤسسات الدولية تحت ضجيج و لوثة الشعبوية وتكريس العزلة تحت شعار ( أمريكا اولا) ، خاصة اتفاقية باريس للمناخ و مجلس حقوق الإنسان واليونسكو وبدء اجراءات الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، ازدادت نزعة تشكك الحلفاء في التزامات واشنطن تجاه مصالح وحماية أصدقائها فى العالم، خاصة من قبل أعضاء الرابطة الأطلنطية في أوروبا بعد تشدد ترامب في إلزام عضوية حلف الناتو بتخصيص ٢% من الدخل القومي للدفاع. مما جعل قادة هذه الدول يعلنون ضرورة نهوض أوروبا بمسؤولية حماية نفسها ضد المهددات، و الإقرار بنهاية مبدأ الحماية الأمريكية التى ظلت أحد أهم مرتكزات سياسة الأمن الجماعي منذ الحرب العالمية الثانية. تزامن مع ذلك تمدد نفوذ الصين الاقتصادي في العالم، واتساع نشاط روسيا العسكري لملء الفراغ الأمني والاستراتيجي الذي تركه انسحاب واشنطن خاصة في الشرق الاوسط.
مع فوز بايدن الذي رحبت به العديد من دول العالم، تبرز ثمة تساؤلات عن التوقعات بشأن خيارات سياسته الخارجية. وهل ستكون امتداداً لمبادئ الحزب الديمقراطي المتوارثة بكفكفة التوسع في استخدام الأدوات العسكرية والاستثمار في أدوات القوة الناعمة، كما كان الأمر تحت إدارة أوباما آخر رئيس ديمقراطي ام البناء على التحولات الموضوعية والجيوسياسية التي أحدثتها إدارة ترامب؟
لعل مشهد ومحتوى خطاب بايدن أمام مؤتمر ميونخ للأمن عام ٢٠١٧ قد أكد على إبرز ملامح توجهات سياسته الخارجية وهي إعادة بوصلة أمريكا إلى زعامة العالم الحر، والحفاظ على علاقات الرابطة الأطلنطية transatlantic والإيمان بمبدأ المؤسسات الدولية multilateralism تحت مظلة النظام الليبرالي العالمي.
وهى تقريبا ذات المبادئ الكلية التي ظلت تحكم توجهات السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي طوال تاريخه خاصة الحفاظ على النظام الليبرالي العولمي، وترسيخ التعاون مع المنظمات الدولية متعددة الاطراف، إلا ان النقاش الذي ظل متداولا بين نخب الحزب الديمقراطي المختصة حول ما يجب ان تكون عليه السياسة الخارجية، عظّم من بروز تيار ينادي بتجاوز إرث ترامب و إعادة إحياء الروح التقدمية في أجندة السياسة الخارجية، وقد عبر عن ذلك السيناتور الديمقراطى كريس كون في مقال نشرته في دورية (فورن افريز) في ٧ أكتوبر ٢٠٢٠ تحت عنوان
A bipartisan foreign policy is still possible
الذي نادى بضرورة بناء سياسة خارجية تقوم على توحيد الجبهة الداخلية للحزبين لأن سياسة امريكا الخارجية ستكون اكثر قوة وتأثيرا اذا حازت على دعم واجماع الحزبين.
اثارت الوعود التى أطلقها بايدن أثناء المناظرات فى قضايا السياسة الخارجية تساؤلات عميقة. وهل تعبر فقط عن مزاج المناظرات الانتخابية والوعود الفضفاضة كمرشح رئاسي ام ستكون موجهات جدية لسياسته الخارجية مثل وعده بقطع المعونات عن مصر التي تبلغ أكثر من اثنين مليار دولار سنويا، أو وعده بتحميل قيادات في المملكة العربية السعودية مسؤولية مقتل الصحفى جمال خاشقجى.
لكن يرجح البعض حسب التجارب السابقة أن الواقعية السياسية ستنتصر علي وعوده الانتخابية المثالية والبراقة.
فى المقابل يؤيد السيناتور كريس ميرفي أحد أبرز المرشحين لمنصب وزير الخارجية تبنى أجندة تقدمية تعيد للولايات المتحدة مكانتها العالمية في قيادة العالم الحر، والعودة للاهتمام بقضايا الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعودة أمريكا إلى المنظمات الدولية، بما في ذلك اتفاقية باريس للمناخ ، ويقرر ميرفي في ورقته التي وجدت ترحيبا وصدى طيبا من خبراء السياسة الخارجية ومنهم وزيرة الخارجية مادلين البرايت تحت عنوان
” إعادة التفكير في أرض المعركة”
Rethinking the battlefield
إن الاجندة التقدمية ليست مجرد وسيلة لمسح وإزالة إرث ترامب لكنها أداة فاعلة لإعادة بناء السياسة الخارجية على قيم وقواعد جديدة، هي كبح جماح استخدام القوة العسكرية وتفعيل ادوات القوة الناعمة و الاستثمار أكثر في الوسائل الدبلوماسية، واستمرار المواجهة التجارية مع الصين واعادة الثقة في حلف الناتو، والإلتزامات الدفاعية تجاه أوروبا واحتواء نفوذ موسكو المتصاعد، مع استمرار التزمات أمريكا الثابتة للدفاع عن أمن إسرائيل وإعادة تشكيل تحالفات الشرق الأوسط بما يخدم هذا الهدف المركزي.
يخالف بعض منظري السياسة الخارجية من الديمقراطيين النزعة المثالية في تقييد استخدام أدوات القوة العسكرية والاعتماد على الدبلوماسية ووسائل القوة الناعمة، إذ يؤكد توماس رايت أحد الباحثين في مركز بروكنز بواشنطن في ورقته المنشورة التي ناقش فيها أزمة الأجندة التقدمية في السياسة الخارجية بعنوان ” المشكلة في قلب السياسة الخارجية التقدمية”
The problem at the core of progressive foreign policy
حيث انتقد النزعة المثالية لمقاربات السياسة الخارجية التقدمية في اضعاف خيارات استخدام القوة العسكرية في إطار تحقيق المصلحة العليا للأمن القومي الأمريكي.
في ذات السياق يعتبر السيناتور ميرفي في مقال نشره في مجلة اتلانتك في أكتوبر ٢٠١٩ بعنوان: ” كيف يمكن تفعيل سياسة خارجية تقدمية ”
How to Make a Progressive Foreign Policy Work
إن السياسة الخارجية التقدمية يجب ألا تخشى السير على خطى سياسة أوباما التي وصفها بأنها برغماتية التوجه ترتكز على قاعدة قيمية
Obama’s values-based pragmatism
ووضع ميرفي ثلاثة شروط لاستخدام القوة العسكرية في مقاربات نظرية لكيفية تطبيق الاجندة التقدمية. وهي ان تتم بموافقة الكونقرس، ووقف الحروب السرية التي كانت سمة الحرب الباردة. وركز الشرط الثالث علي عدم الدخول في حرب او غزو خارجي اذا كانت الدبلوماسية يمكن ان تحقق الهدف.
ويرى ميرفي ضرورة عدم عزل الأعداء وضرورة التحدث إليهم مثل إيران و نادى للاهتمام بتداعيات وآثار حرب اليمن واستثمار مزيد من الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب والنزيف الإنساني هناك.
ستتركز أولويات بايدن في بداية فترته الرئاسية على الداخل لتوحيد الشعب الأمريكي، كما أعلن في خطاب الفوز، وتجاوز الانقسام الحاد الذي كرسته فترة ترمب ومعالجة الاقتصاد وجائحة كورونا (كوفيد ١٩)
رسم المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (شتام هاوس) في تقرير أصدره في أكتوبر ٢٠٢٠ عن (اولويات السياسة الخارجية الامريكية بعد الانتخابات الرئاسية)، جملة التحديات للإدارة الجديدة، لعل أبرزها إعادة ترتيب البيت من الداخل بمحاربة الجائحة الصحية وتوحيد الحزبين على سياسة متفق عليها ومعالجة التحديات الاقتصادية. ويرجح المعهد الملكى البريطاني للشؤون الخارجية أهمية إعادة الثقة للنظام الليبرالي العولمي تحت القيادة الامريكية من جديد، مع أهمية إصلاح علاقة الرابطة الاطلنطية وإحياء التعاون مع أوروبا، خاصة مع بريطانيا والمانيا وفرنسا، واحتواء نزعة المغامرة في سياسات موسكو عبر الاحتواء والتطويق بالتعاون مع أوروبا واتباع سياسة ردع فعالة والاستمرار في اتفاقيات نزع التسلح.، وإعادة التعاطي مع الشرق الأوسط من جديد لتأسيس استراتيجية طويلة المدى حول إيران ربما تستصحب جزءًا من عناصر الاتفاق النووي تحت رئاسة اوباما، إضافة لقضايا المناخ، والتعاون في مجال الصحة العالمية لاحتواء الجائحة وإعادة التعاون مع منظمة الصحة العالمية. وأوصى المعهد الملكي بأحياء التعاون مع أمريكا اللاتينية مع اتباع سياسة هجرية أكثر انسانية. وأبرز التقرير أن اهم أولويات واشنطن هى إدارة التنافس الاستراتيجى مع الصين وكبح جماح نفوذها الاقتصادي والسياسي وخفض عجز الميزان التجاري عبر إنشاء تحالفات قوية تضم أوروبا والهند وإستراليا واليابان . وإصلاح نظام التجارة العالمية عبر منظمة التجارة الدولية. ويقرر المعهد الملكي ان العودة لتبني توجهات قيمية في السياسة الخارجية يعتبر خيارا ضروريا لا بد منه خاصة حماية حقوق الانسان وتعزيز الديمقراطية على ان يطبق ذلك بشمول دون انتقائية كما فعل ترامب مع الصين.
وحسب المؤشرات الراهنة وجملة التحديات الخارجية التى ستواجه الادارة الجديدة فإن افريقيا ستكون في ادنى سلم اولويات سياسة بايدن الخارجية. إذ سيتركز اهتمامه على توحيد الداخل أولا ومواجهة الجائحة الصحية، اضافة للاهمية الاستثنائية لادارة صراع التنافس الاستراتيجي مع الصين وكبح جماح روسيا واعادة التوازن للعلاقة مع اوروبا و العودة إلى تفعيل المؤسسات الدولية وصون النظام الليبرالي العولمي. والي حين صياغة استراتيجية جديدة للامن القومي لن تهتم ادارة بايدن بإفريقيا في بداية فترته الرئاسية الا في إطار معالجة الأزمات الطارئة خاصة الإنسانية منها أو محاربة الإرهاب خاصة في غرب إفريقيا والقرن الإفريقي، و كفكفة تغلغل النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسى في إفريقيا، وتجفيف النزاعات خاصة تلك التي يخشى منها في تهديد الاستقرار الإقليمي مثل تطورات الأوضاع في ليبيا وإثيوبيا وغيرها، و تعزيز أمن البحر الأحمر كممر عالمي للتجارة الدولية.
رغم تراجع أهمية إفريقيا في سلم أولوياته الخارجية الا أن الوفاء للناخبين الأمريكيين من أصول افريقية الذين صوتوا له بقوة ربما يدفع بايدن لتعزيز علاقته بأفريقيا بما يتجاوز الدعم الإنساني إلى بحث ملامح شراكة اقتصادية لكبح نفوذ الصين، لكن مع تطبيق صارم لمعايير احترام حقوق الإنسان والالتزام بالديمقراطية. ومع تراجع أهمية النفط لأمريكا الا بالقدر الذي يحفظ استقرار الأسعار وسوق الطلب بعد تحولها لدولة مصدرة تتجه أنظار الشركات الامريكية للاستثمار في المعادن بعد توسع الصين وروسيا في الاستحواذ على استثمارات هذا القطاع المنتج والمهم في افريقيا.
مع تراجع أهمية افريقيا في سلم أولوياته بايدن الخارجية سيكون السودان فى هامش اهتمامات الإدارة الجديدة ايضا، إلا فى إطار العون الإنساني ودعم التحول الديمقراطي وتعزيز فرص التطبيع مع إسرائيل.
تتولد شكوك عظيمة عن مدى التزام جو بايدن بسياسة سلفه ترمب تجاه السودان، خاصة الصفقة التي ابرمها مع القيادة السودانية برفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مقابل دفع تعويضات أسر ضحايا الهجمات الإرهابية البالغة ٣٣٥ مليون دولار وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
رغم أن هذه الصفقة مع السودان حظيت بدعم الحزبين في الكونغرس الا ان انقساما حادا بين بعض أعضاء مجلس الشيوخ بشأن تمرير قانون منح الحصانة السيادية ربما يؤخر جزئيا اجراءات إزالة السودان من القائمة لاصرار بعض النواب على منح ضحايا تفجيرات ١١ سبتمبر الحق القانوني في مقاضاة السودان امام المحاكم الأمريكية. واذا نجح أسر ضحايا هجمات سبتمبر البالغ عددهم حوالي ٣ آلاف في انتزاع حكم قضائي من المحاكم الأمريكية سيدخل السودان فى دورة تسويات جديدة لتعويض الضحايا بمبالغ تفوق بكثير التعويضات السابقة. لكن تأخر إصدار قانون السيادة الوطنية لا يوقف إجراءات إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

 

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: