أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

عثرات المشهد السياسى.. من تحليل القدال إلى تنبؤ صدقي!

(كان على الحزب الشيوعي أن يضع في اعتباره أن الحياة السياسية لا تسير فقط باندفاع الثورة وبدوره في ذلك الاندفاع فهناك اعتبارات أخرى ستعمل على إعادة توازن القوى، حيث أن نفوذه محصور وسط قطاعات محدودة، بالإضافة إلى أن الحزب لم تكن له برامج تميزه عن الأحزاب الأخرى في المجالات التي تولى مسئوليتها في الوزارة الانتقالية، فشعارات الحزب السياسية كانت أكبر من البرامج العملية التي تمخضت عنها. أيضا طرح الحزب لقضية التغيير الاجتماعي بصورة جادة، الشيء الذي يهدد مصالح قوى اجتماعية ذات نفوذ، انتفضت للدفاع عن مصالحها، فما إن زالت دهشة الأيام الأولى، حتى بدأت الاحزاب التقليدية تنظم نفسها لتعيد مكانتها، فكونوا الجبهة القومية في مواجهة جبهة الهيئات).
قد يعتقد بعضكم أن هذا رأيي في موقف الحزب الشيوعي السوداني.. وهذا ليس صحيحا، كما قد يعتقد البعض أن الأمر ذو صلة بموقف الحزب الأخير، وهو يعلن إنسحابه من قوى الإجماع الوطني، أو من قوى إعلان الحرية والتغيير، التي تعتبر الحاضنة السياسية والمرشدة لحكومة الفترة الانتقالية الحالية، وهذا ليس صحيحا ايضا.. فهذا ما كتبه الراحل الدكتور محمد سعيد القدال قبل سنوات وهو يحلل موقف الحزب الشيوعى من تطورات الأحداث السياسية، عقب تشكيل حكومة اكتوبر.. والقدال هو أحد رموز ومفكري الحزب وفى ذات الوقت أحد أهم مؤرخي المشهد السياسي السوداني فى عصره الحديث.. أما أهم ما ميز الراحل القدال، أنه لم يكن مجرد مؤرخ يرصد ويسرد، بل كان محللا من الطراز الأول، يسبر غور الأحداث ويحيط بالوقائع، ليقدم لقارئه نتائج ما كان ليصل اليها لو قرأ دهرا.. والواقع أن هذا النص، هو ما نقلته البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، مديرة جامعة الخرطوم حاليا، في مقالها الموسوم بـحكومات 21 اكتوبر 1964 وما تلاها من تطورات، ونشرته قبل عدة سنوات.. ولكن ما يهمنا في هذا المقتطف من فدوى عن القدال، أنه من السهل أن تقرأ بين سطوره، إعادة غريبة لتاريخنا السياسي، فهاهو التاريخ يعيد نفسه عبر موقف الحزب الشيوعي الأخير القاضي بالإنسحاب من التحالف الحاكم.. وحين نقرأ للدكتور صدقي كبلو، القيادي الشيوعي المعروف، تصريحا يشير فيه، مبررا إنسحاب حزبه من التحالف الحاكم، إلى قرب قيام تحالف جديد، يحمل شبهة التآمر على الثورة، ويضم بعض أطراف قوى إعلان الحرية والتغيير نفسها، تتملكك الدهشة ولا شك، وأنت تقرأ اعلاه، عن قيام الجبهة القومية فى مواجهة جبهة الهيئات المعروفة تاريخيا بلعب الدور المحوري في إنجاز ثورة اكتوبر وصياغة ميثاقه!!.
وربما لن تجد كبير عناء، في إجراء عمليات إحلال وإبدال ضرورية، للمقاربة بين ما كتبه بروفيسور القدال وهو يتحدث عن قيام الجبهة القومية المناوئة لجبهة الهيئات، والتي سحبت البساط منها بالفعل، وبين ذلك التحالف الذي يتحدث عنه دكتور كبلو، والذي يتخلق الآن، كما قال هو، لسحب البساط من تحت أقدام قوى إعلان الحرية والتغيير التي نعرف الآن.. ولكن إعادة وقائع التاريخ لا تقف عند هذا فحسب، فتعثر حكومة حمدوك الانتقالية، تكاد تنبي عن جينة ورثتها عن جدتها حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية ايضا.. ولعل واحدة من التنبيهات المهمة التي حملها مقال بروف فدوى الذي أشرنا اليه أعلاه، أن حكومات اكتوبر الانتقالية لم تكن حكومتين كما يتصور البعض، بل كانت ثلاث حكومات.. بدأت الأولى في اول نوفمبر 1964م وانتهت في 18 فبراير 1965م، ثم بدأت الثانية في 23 فبراير 1965م وانتهت في 31 مارس 1965م، ثم بدأت الثالثة في ذات اليوم واستمرت حتى السادس من مايو 1965م.. والسبب في هذا أنها لم تكن حكومة جديدة بالمعنى، بل كانت عملية التحاق من احزاب مقاطعة للمشاركة قد تمت بانضمام حزب الشعب والحزب الشيوعي..! وحكومة حمدوك الثانية، تنتظر هي الأخرى ملتحقين.. أما الأغرب من كل هذا، ونحن نستلهم التاريخ، أن الإمام الصادق المهدي، اعاده الله لوطنه سالما معافى، كان على رأس المتشددين في المطالبة بالتعجيل بالانتخابات، غض النظر عن إنجاز حكومة الخليفة لمطلوبات ميثاق اكتوبر..!!

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: