تحقيقات وتقارير

المتعايشون مع الأيدز.. قصصٌ وأرقام!! (2- 2)

تحقيق: اليسع أحمد

في الحلقة الأولى من هذا التحقيق تناولنا قصة المُتعايش مع الفيروس “يوسف أحمد” والذي شكَّتْ في إصابته طبيبة وصفها هو بأنها (حديثة عهد) بالمهنة، سيما وأنَّ الأخصائي الذي استشارته في الحالة، نفى حديثها مؤكداً أن ما يعاني منه “يوسف” ما هو إلا التهاب لا يحتاج لأكثر من (مضاد حيوي)، لكن الأيام أثبتت صحة كلام الطبيبة (الصغيرة)، وهكذا وجد “يوسف” نفسه بين قوسين مكتوب بداخلهما: ( مرحباً بك في عالم المتعايشين مع الأيدز)!!!.. أما أنا (المُحرِّر) وأنت أيها (القارئ الكريم) فنذهب سوياً إلى تفاصيل الحلقة الثانية والأخيرة من هذا الموضوع.

إصابة (مُعلِّم)
مُعلِّم لغة انجليزية بالمرحلة الثانوية اسمه ” عمر” شاءت أقداره أن يصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة في العام (2002)، قال لـ (السُّوداني) عندما قررت السفر إلى إحدى الدول لإكمال دراستي العُليا، وكنت في قمة الشباب وأعلى مُستويات ومؤشرات الصحة النفسية ونهم القراءة والاطلاع للتحصيل الأكاديمي، لكن كان مبعث أسفي أنه لم تكن هناك في كل بقاع السودان خدمات صحية وعلاجية متخصصة بفيروس الإيدز ، لذا لم أتلق أي إرشاد نفسي أو أي نوع من المشوّرة الداعمة وكل ماقدمه لي المعمل هو تسليمي نتيجة الفحص داخل ظرف مُغلف وتم توجيهي لمقابلة إحدى السسترات ببرنامج مكافحة الإيدز، وأكد أنه لم يذهب فى ذلك الحين لأنه ببساطة كان يعرف النتيجة التي كانت صدمة قاسية له وقال إن معلوماتى عن الايدز فى ذلك الوقت كانت حالي حال فئات كثيرة من عامة الناس وحتى المثقفين منهم، معلوماتهم لا تتعدى سوى الموت المحتوم جسدياً وإخلاقياً.

عُزلة مجتمعية
عمر متزوج وأب لطفلة يضيف أن زوجته وطفلته كانا هما العقدة التي زادت عليه ألم الصمت الإجباري وأن العُزلة الاجتماعية والنفسية التي فرضها عليه مجتمعه تعد واحدة من أخطر أعراض المُتلازمة الصحية والنفسية للإصابة بهذا الفيروس اللعين خاصةً في وقت كانت فيه الخدمات الداعمة قيد التأسيس والهيكلة بما لا يتناسب مع الزيادة للحالات المكتشفة فى البلاد، مؤكداً أنه لم يتلق أي دعم نفسي أو إرشادي لمدة طويلة مما انعكس على صحته ولم يتمكن من خروجه عن الصدمة سريعاً.

وصمة تقود إلى (الفصل)
ويمضي عُمر في سرد مأساته فيقول إنه يعمل مُعلماً بوزارة التربية والتعليم، قسم الثانوي كمعلم للغة الإنجليزية وهذه الوظيفة من الأمور التي وبرغم عن كل الأشياء التي حدثت له تجعله فخوراً بأنه وإن أصيب بهذا المرض بعيداً عن التصورات المغلوطة في أذهان الكثيرين عن مصابي الإيدز لذلك يبدو فخوراً بل إنها كانت مبعث إلهامه على الثبات والمضي قُدماً في طريق مليء بالآلام والصمت المضني لأن أخلاق المُعَلِّم والمُربي منحته الصبر ودفعته إلى الطريق الصحيح للمصابين وهو البحث والذهاب إلى جمعيات المتعايشين مع فيروس الإيدز، فكان من الذين وضعوا اللبنات الفنية والفكرية للعمل بجمعيات المتعايشين خلال الحقبة البائدة من التاريخ السياسي لهذا البلد. كانت تجربته أشبه بالنضال واحتمال السير على الأشواك من أجل الوصول إلى ما آل إليه حال المتعايشين فى دول أخرى كثيرة لأن تجربة مُعظم متعايشي السودان فى تلك الفترة ليست سوى مزيج من المرارات والألم وانتهاكات الحقوق وسوء الظنون، وأضاف أن من الأمور الصادمة والتي كادت أن تودي بحياته هو ماحدث له في وزارة التربية والتعليم معقل العلم والمعرفة والتي بدورها قائدة لمسارات الوعي الاجتماعي إلى مدارات صحيحة مبنية على حقائق ودقائق علمية حيث رفضته بحجة أنه مُصاب بالإيدز بعد حديث زوجته مع مدير مكتب محلية التعليم الذي كان يعمل به عند ذهابها لاستلام راتبه الشهري، والذي قال لها دعيه يمكث في بيته وسوف نرسل له مرتبه، وأكد أنه بعد ذلك تسلّم مرتب شهرين فقط وتوقف المرتب، وأوضح أنه عندما سألت زوجته عن السبب كان الرد بأنه تم فصله عن العمل ليبقى هو القدر المحتوم لمصابي الإيدز فى بلاد تعاني من أعلى مستويات الوصمة المرتبطة بالإيدز بشكل غير مبرر. وتابع أنه في العام 2007م امتلك الجرأة بفعل التدريب الذي تلقاه بجمعية المتعايشين السودانيين مع فيروس الإيدز وخاطب وزير التربية والتعليم بولاية الخرطوم آنذاك الصادق الهادي المهدي بمشكلته بعدها أصدر الوزير توصية بعودته للعمل الأمر الذي أدخل الفرح والسرور لكل متعايشي الإيدز بالبلاد وأن عودته للعمل تعني لهم انتصار لحقوقهم المهضومة وإشارة ضوء فى طريق الحياة الكريمة، مشيراً إلى أن الفاجعة الكبرى هي تجاهل توصية الوزير وغض الطرف عنها بتبرير إداري فحواه لا توجد وظيفة بالدرجة الثامنة (درجتي التي كنت فيها) وأوضح أن التبرير تفوح منه رائحة الوصم والتمييز لأنه إذا كانوا حقاً يريدونه معهم ومن ضمن فريقهم لتم تسكينه في الوظيفة عند الاستيعاب الجديد بدرجة أقل أو أعلى مع مراعاة الفروقات والمستحقات وهذا ما لم يحدث ولن يحدث في ظل وصم وإرهاب اجتماعي يمارس على غير هدى فى مواجهة شريحه الاشخاص المتعايشين مع فيروس الإيدز.

وهُنا يؤكد الأستاذ عمر بأنه مدين جداً لأُناسٍ استطاعوا بخبرتهم العالية و(إنسانيتهم) الجليلة أن يُخرجوه من مُربع الإحباط الذي أدخلته فيه الوزارة بسبب فصله من مهنته؛ مشيراً إلى أن على رأس هؤلاء تقف د. فتحية سعد مرسال المرشد النفسي الأول في البلاد، وعدد من المرشدين النفسيين بوزارة الصحة بولاية الخرطوم منهم الأساتذة محمد عوض، أحمد عجيب والأستاذة نينا أبو ضامر وغيرهم لقد كانوا له خير سند تكسرت عنده وصمتي وتمييزي عن الآخرين.

مُناشدة عاجلة
عمر قال إنه حاول العودة لعمله لكن باءت جميع محاولاته بالفشل والرفض وتواصل مع نقابة المعلمين المركزية والاتحاد المهني للمعلمين لكن دون جدوى، ونوه إلى أنه فى ظل الانفراج السياسي والتحولات الديمقراطية وعهد الحريات التي تشهدها البلاد صار المتعايشون أكثر تعلُّقاً بآمال وأحلام الحياة الكريمة التي تحفظ وتصون حقوقهم بعد تعرّضهم لانتهاكات صريحة خلال الفترات السابقة. وناشد عمر جهات الاختصاص وخصّ بذلك وزير التربية والتعليم بولاية الخرطوم ولجنة المعلمين المركزية والتي يقف على رأسها الأستاذ يس حسن بانصافه وعودته لعمله فإن الإصابة بالفيروسات المختلفة مهما كان فتكها لا يفرغ الحياة من محتواها الإنساني أو يجعلنا مخلوقات غريبة لا تنتمي لهذا الكوكب.

دَسْ المحافير
وليس بعيداً عن (تأوَّهات) أستاذ عمر يذهب رئيس الجمعية السودانية لرعاية المُتعايشين مع فيروس الإيدز بولاية الخرطوم فتح الرحمن المَبَزَّع، والذي شكا مُر الشكوى من قصور الدولة تجاه الجمعية السودانية لرعاية المتعايشين مع فيروس الإيدز، قال لـ(السوداني) إنَّ الجمعية تمر بأسوأ حالاتها منذ نشأتها نسبة لعدم التمويل، مضيفاً أن الجمعية تضم (1400) مصاب وتمتلك عربة وحيدة (عطلانة) وبحاجة لصيانة عامة، وتابع أن تسيِّير الجمعية من المانح لا يتعدى مبلغ (٦) آلاف جنيه في الشهر وأن هذا المبلغ أقلَّ من احتياجات شراء المنظفات، وأردف أن قيام ورش التوعية بالمركز يحتاج لنثريات تسيير عمل كضيافة المتعايشين ورسوم ترحيلهم ذهاباً وعودة إلى منازلهم وغيرها من الاحتياجات المستمرة. وقال إنَّ دور الدولة في رعاية المتعايشين يساوي (زيرو) وأنها لا تقدم لهم أي دعومات.
كأن مرضى الإيدز مسؤولية المنظمات والعالم الخارجي، كاشفا عن أن دعم ورعاية متعايشي الإيدز بالعالم تتكفل به منظمة الأمم المتحدة عبر الصندوق الإنمائي.

غير قانوني
ونفى المبزع وجود سند دستوري أو قانوني حسب قانون العمل يجبر الموظف أو العامل على البوح بإصابته بالإيدز، مشيرًا إلى أن الواقع يحكم على المتعايش بقسوة تصل إلى الفصل النهائي عن العمل لكثير من المتعايشين، وأكد أنه لا توجد مادة في القانون تشترط كشف طبي لأي شخص من أجل حصوله على فرصة عمل كما لا توجد مادة في قانون الصحة تعتبر حامل الفيروس المسبب للإيدز (HIV) غير لائق طبياً، بغض النظر عن حالته الصحية.
وبسؤالنا لمدير مكافحة الإيدز بوزارة الصحة ولاية الخرطوم د. عبدالمنعم عثمان أبو بكر عن فصل موظف عن عمله بحجة أنه مصاب بفيروس الإيدز قال: لا يُحق لأي مؤسسة حكومية كانت أو خاصة فصل أحد من منسوبيها بذريعة إصابته بالإيدز، منوهاً إلى أن ذلك إذا كان شرطاً قبل التعيين ففي هذه الحالة يتم استبعاده قبل تعيينه، مؤكداً أن قرار فصل الموظف باطلاً حسب قانون حقوق الإنسان.

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: