أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

حتى الخلاوي والكنائس بكت “محمد شريف”

عطاف محمد مختار

رُزئَ الوسط الصحفي أمس الجمعة، برحيل زينة شبابه، وريحانة مجالسه، “د. محمد شريف”.

رجل كنسمات الفجر، يدخل عليك من أبواب الفرح، يفيض عليك من حُبِّه الوفير، ويتفضّل على الجميع بطيب خُلُقه وحُسن معشره، وكرمه: “إذا كان الفتى حسناً كريماً… فكل فعاله حسن كريم”.

كان يلين إذا اسُتعطِف، لا تجد له قطيعة، لا يُؤذي إخوانه.. لا كاذباً، لا فاجراً ولا فخوراً.

يستقبلك بابتسامة (تفتح الروح ضلفتين)، كان كبخور عود الصندل؛ أينما حلّ عطّر الأجواء.

محمد شريف تتجسّد فيه أبيات، سيدنا علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه:
((النفس تبكي على الدنيا وقد علمت
أنّ السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنها
وإن بناها بشر خاب بانيها))
ونشهد أنّ محمداً؛ لم يبن إلا الخير.

والله أن فجيعتنا فيك يا محمد شريف كبيرة، ومصابنا جلل، والجميع غير مصدق. فشيخكم صلاح حمد، يزلزل زلزالاً في السعودية: (ها يا ناس، محمد شريف اتوفى؟) ولا ينتظر الإجابة، ويقول (لا حول ولا قوة إلا بالله). ورفيقك بكري خليفة، يهمهم بكلمات غير مفهومة، وكأنّه يُناجي قرينه، وحتى هذه الهمهمات تغُص في حلقه؛ ويجري دمعه هطالاً.

وعباس من قطر؛ لا يُريد أن يُواجه الصدمة، ويسأل: (يا جماعة محمد شريف مالو؟). والزين عثمان يصفعه ويصفعنا جميعاً: (عباس.. محمد شريف مات، مااات.. وماتت معاه حاجات كتيرة، بما فيها القدرة على أن تبكي).

(ياالزين؛ يا أخوي، ابكي، البكاء بريِّح شوية في المواقف دي).
ووالله إنّ العين لتدمع عليك يا محمد شريف…
وحبيبك مصعب محمود، يُحاول أن يتماسك، فتفضحه عيونه؛ فيدسها وراء نظارة سوداء.. هل تُصدِّق أن مصعباً؛ صاحب الكلم، صامت وكأنّه نذر ألا يُكلِّم إنسيا.
قلبي معه؛ فهو آخر من فار
قك، ليل الخميس.. وسجّل لك مقطع فيديو، كنت تُطالب فيه بالاحتفال بمولد سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. بقولك: “قدمت من احتفال للسفارة الهندية بالخرطوم – بالتزامن مع جميع السفارات الهندية في العالم – بمُناسبة ذكرى ميلاد المهاتما غاندي. فالأولى أن يحتفي الناس بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.. سنعمل كل ما في وسعنا في الصحافة الورقية والإلكترونية، لإيصال هذه الفكرة للناس”.

يا محمد شريف لا يُساورني أدنى شك، أنّ هذه الهِمّة العالية ببث ثقافة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، والمحبة في رسولنا الكريم، قد بلغت مقام سيدي رسول الله في مرقده الطاهر بالروضة الشريفة في المدينة المنورة.. ونسأل الله تعالى أن تكون هي الكافية لك تحت الأرض ويوم العرض، وفي الحوض المورود، فتسقى من يمينه الطاهرة شربة لا تظمأ بعدها أبدا.

إخوانك الكبار شهدوا لك بالبر والتقوى، وإنك كنت أكثرهم براً بوالدتك، فكنت نعم السند لها والرفيق والونيس.. اللهم اربط على قلبها وقلوبهم جميعاً.

محمد شريف علم على رأسه نار.. فبالأمس نعته السفارة المصرية بالخرطوم، ونعته السفارة السعودية، وقالت فيه: “لقد ساهم بقلمه في تطوير العلاقات السودانية السعودية؛ بجهده ووقته من خلال تطوعه في مناشط الدبلوماسية الشعبية والثقافية، ونحن إذ ننعيه ننعي فيه دماثة خُلُقه وطيب معشره، وطيب خصاله”.

د. محمد شريف ترك مهنته العلمية، وتفرّغ لعالم الصحافة، التي بكته ونعته أمس، من المحيط إلى الخليج، من أقصى الشرق في الإمارات إلى أقصى الغرب في بلاد الشناقيط، بكته القاهرة وتونس الخضراء وأرض المليون شهيد وكازبلانكا وطرابلس وأديس أبابا ومقديشو وإسلام أباد وباندونق ونيودلهي واسطانبول.. يا رباه، من أي طينة أنت يا محمد، حتى تُشيِّعك هذه الشعوب بدعواتها لك بالرحمة والمغفرة.
هل تعلم أنه حتى الخلاوي والكنائس بكتك.

اللهم لقد جاءك عبدك محمد شريف، وانت أعلم منا بحُسن خُلقه وطيب معشره ومكارم أخلاقه.. اللهم بجاه حبيبك المصطفى ونبيك المجتبى، اكرم نزله ووسِّع مدخله، اللهم إن كان مُحسناً فزد في إحسانه، وإن كان مُسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم أرفع عنه العذاب والبلاء، اللهم ثبِّته إذا أقمته للسؤال وجاءه الملكان للسؤال وخانه المقال، اللهم لقِّنه حجته وسدِّد إجابته عليهما، وحرِّم جسده على النار، واجعله في أعلى الجنان. وألهم والدته وأهله وأصدقاءه الصبر والسلوان.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: