أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

الكشف عن سِر جريمة فتاتين (شقة الرياض) صراع الدبلوماسية .. التفاصيل

الخرطوم: محمد أزهري

جريمتا قتل فتاتين وقعتا نهاية 2019، وبداية 2020، أدخلتا الرعب في نفوس سكان الخرطوم، الضحيتين استدرجهما جانيان إلى شقة تستأجرها سفارة أجنبية لدبلوماسيين بحي الرياض، إحدى الضحيتين قطعا جسدها إرباً إربا ومن ثم تخلصا من أشلائها داخل جوال في حي ناصر والأخرى ألقيا جثمانها في مايو جنوب الخرطوم.
حتى الآن يظن أغلب الذين تابعوا الجريمة ومراحل اكتشافها أن الأمر قد قضي بالقبض على المتهمين، ويذهب أغلب المتابعين إلى أن (القصة) مجرد تلذذ بالقتل لدى الجناة أو تنفيذ لأوامر شيطانية كما راج وقتها بأن أحدهما من (عبدة الشياطين).
ما كشفته الشرطة السودانية عبر إدارة التحقيق الجنائي – الخرطوم- وستكشفه (السوداني)، كاد أن يدخل الخرطوم في مأزق دولي جديد لا يقل خطورة عن حادثة مقتل الدبلوماسي الأمريكي “غرانفيل” ليلة رأس السنة من العام 2008.
المشهد وقتها (أي حين اكتشاف جريمتي الشقة) كان مهيأً بامتياز لتنفيذ عمليات إرهابية لزعزعة أمن العاصمة وضرب استقرار الحكومة الانتقالية، التي اقتلع منسوبوها الحكم من جماعة الإخوان المسلمين في السودان، بعد 30 عاماً بثورة شعبية مجيدة.
اكتشاف الجريمة – وقتها – والقبض على المتهمين بعد (5) أيام فقط، قاد (السوداني) لإجراء مقارنة بين جريمتي الممثلة الأمريكية (داليا السوداء) وفتاة الشقة (نسرين)، لتشابه الجريمتين في الوقائع وبعض التفاصيل، والتي تفوقت فيها الشرطة السودانية على مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ(FBI) الأمريكي، لعجز الآخير عن حل لغز (داليا)، رغم الفرق الشاسع في الإمكانات.


سؤال مهم يراود أهل الضحيتين والصحافيين المتخصصين في تغطية الشؤون الأمنية، وبعض المهتمين من القانونيين، حول جريمة (شقة الرياض)، السؤال (لماذا تأخرت إحالة ملف القضية إلى المحكمة؟) رغم مضي أكثر من تسعة أشهر على اكتشاف الجريمة والقبض على المتهمين، وتسجيلهما إقرارات قضائية.
جائحة كورونا لا شك أنها كانت سبباً جزئياً في التأخير لكنها بأي حال لم تكن سبباً رئيسياً يجعل الشرطة تأخر نقل ملف مهم إلى المحكمة اكتملت تحقيقاته ظاهرياً، لذلك لا بد من شيء مهم أو سبب مجهول يدور داخل مكاتب التحقيق الجنائي، يكمن وراء التأخير، السبب المجهول هذا حرك فضول (السوداني) لاستقصاء ما تسره التحقيقات وتغطيه الشرطة بسريتها المحكمة، رغم ذلك حصلت (الصحيفة) على معلومات دقيقة أجابت على السؤال أعلاه إجابات وافية ومقنعة يمكنها أن تكون دافعاً واقعياً لجريمة (الشقة الدبلوماسية).

1
التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2019، عثرت الشرطة على جثة فتاة تدعى “مروة” داخل أكياس بلاستيكية، في منطقة مايو جنوب الخرطوم، الفتاة شبه مذبوحة، دون بصددها بلاغ جنائي وظلت جريمتها غامضة، بعدها بـ(21) يوماً أي في العاشر من يناير/ كانون الثاني 2020، عثر مواطن على جثة فتاة أخرى تدعى “نسرين” داخل جوال في مجمع نفايات بحي ناصر شرق الخرطوم، تزامن مع العثور على جثة الآخيرة اكتشاف جثة شاب أسفل كوبري المنشية.
وقتها كانت تجسم على صدر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي شائعات عن عصابات النيقرز، والمجموعات المتفلتة، وتتداول مجالس المدينة أحاديث وحكايات عن جرائم قتل ونهب وسرقة تنفذها تلك العصابات بتحريض من بعض عناصر النظام البائد.
2
الشرطة تمثلها مباحث شرطة الخرطوم، كانت تفكر خارج الصندوق وبعيداً عن حكايات المجالس، وسخريتها على الشرطة نفسها، والشرطة وقتها أجرت عمليات بحث واسعة عن بلاغات المفقودات بأقسامها المختلفة، فكانت النتيجة التعرف على “نسرين” عبر بلاغ فقدان دونته أسرتها بقسم سوق ليبيا في أمبدة، بعد خمسة أيام من العثور على جثة “نسرين” والتعرف عليها ، أوقفت المباحث المتهمين “م” إريتري الجنسية يعمل سائقاً لنائبة سفير دولة جنوب إفريقيا بالخرطوم، و”م” طالب طب بإحدى الكليات، أسرته مقيمة في المملكة العربية السعودية، المتهمان أقرا بقتل “نسرين” داخل شقة خاصة بنائبة السفير في الرياض، واعترفا بقتل “مروة” التي كانت غامضة حتى تلك اللحظة، وكان الاعتراف الثاني بمهارة أفراد المباحث ووقتها كان العميد أمين سعيد مديراً لمباحث الخرطوم، وكان العمل الميداني تحت إشراف مدير فرعية مباحث الخرطوم العقيد “مصطفى مكاوي”.
3
مهمة التحقيق مع الجانيين أسندت إلى فرع التحقيق والمتابعة – الخرطوم – الذي يديره المقدم “عوض عثمان”، ويتولى التحري النقيب “سيد أحمد أحمد سيد أحمد”، التحقيق في مجمله اكتمل معهما في أقل من شهر، رغم اكتماله لكن هناك شكوكاً ظلت تراود المحققون مكمنها (غياب الدافع)، أي الدافع الحقيقي للجريمة، بخلاف التلذذ بالقتل أو عبدة الشياطين كما زعم أحدهما في التحقيق الأولي، هذه الحلقة المفقودة ولدت تساؤلات جمة لدى المحققين كان لا بد من وجود إجابات مقنعة تتسق مع بشاعة الجريمة وطبيعتها أو على الأقل اكتشاف الدافع الحقيقي وراءها، فكان لا بد من اتباع أساليب جديدة للتحقيق ذات طابع مختلف عن واقع تحقيقات المباحث المعروفة التي تتطلب في بعض الحالات العنف المعقول مع المتهمين، المحققون اتبعوا وسائل أدخلت الطمأنينة التامة لدى المتهمين الذين كانا يخبئان الدافع الحقيقي ويحبسانه في صدريهما خوفاً من التصفية الجسدية.

4
المتهم “م” 25 عاماً جنسيته إريترية، لكنه ولد في حي السجانة بالخرطوم، يعمل سائقاً لنائبة سفير دولة جنوب إفريقيا بالخرطوم، “م” مهووس بالموسيقى ماهر في العزف على آلة الجيتار، استضافته إحدى القنوات الكبرى قبل ضلوعه في الجريمة، “م.ف” حبس أنفاسه وتنهد مرات ثم قال إن زوج نائبة السفير، وهو شاب يصغرها سناً يدعى “ق” وبحكم أنه سائقهما تربطه به علاقة صداقة قوية حكى له عن مضايقات تواجه زوجته نائبة السفير ووقتها كانت هي القائمة بأعمال السفير، المضايقات من ضابط مخابرات انتدب حديثاً لسفارة جنوب إفريقيا بالخرطوم تطورت إلى مشاكل بسبب تقارير أمنية كتبها الضابط عنها، حسب المتهم “م.ف” أن زوج نائبة السفير فكر في اغتيال ضابط المخابرات للتخلص منه وطلب منه البحث عن أشخاص محترفين ينفذون الجريمة في قلب الخرطوم، مقابل (50) ألف دولار، فوافق “م.ف” على العرض على الفور – ثم ماذا بعد.


5
“م.ف” فكر جيداً في من ينفذ المهمة الخطيرة، لم يجد وقتها غير صديق كان قد تعرف عليه داخل كافي (ج) شرق الخرطوم، الكافي أشبه بكافيهات دول أوروبا يقدم جميع أنواع الخمور المستوردة منذ عهد النظام البائد، الصديق هذا هو المتهم الآخر طالب طب يدعى “م.ي” طرح عليه فكرة الاغتيال لكنه ربطها بشرط الاحتراف في القتل حسب طلب زوج نائبة السفيرة حتى لا يكتشف الأمر ويفتضح أمره، لكن “م” فاجأه بأنه سبق وأن قتل أسرة خارج البلاد وسيدة في منطقة جبل أولياء وظلت تلك الجرائم في طي الغموض، هذا الزعم جعل المتهم الأجنبي يوافق على اختياره لتنفيذ المهمة وأخبر الدبلوماسي زوج نائبة السفير بأنه وجد شخصاً محترفاً يساعده في اغتيال الضابط، لم يتردد الدبلوماسي في الموافقة، والتقوا الثلاثة تفاكروا في الأمر، وطمأنهما بأنه له تواصل مع عصابات وجهات أجنبية بإمكانها تهريبهما في حال القبض عليهما.
6
الدبلوماسي الجنوب إفريقي بدأ فعلياً في التخطيط لاغتيال الضابط، بأن اصطحب سائقه الأجنبي “م.ف” وأرشده على منزل ضابط المخابرات بحي الرياض شارع المشتل، ومن ثم اصطحب السائق صديقه “م.ي”في اليوم الثاني وأطلعه على موقع منزل (الهدف).
التخطيط للعملية بدأ يأخذ طابع الجدية، ودخل مراحل متقدمة بأن تشاور الدبلوماسي مع سائقه على كيفية التنفيذ وآداة الجريمة، وخلصا إلى اغتيال الهدف رمياً بالرصاص، ثم الهروب والاختفاء عن أنظار السلطات المحلية في الخرطوم، تواصلا مع حرس فندق شهير لشراء (مسدس) وبالفعل الحرس اشترى لهما (المسدس) من شخص آخر مقابل (15) ألف جنيه، لكن عند تجريبه اكتشفا عطل فيه ربما يفشل المهمة، لذلك أعاداه إلى صاحبه واستردا المبلغ.
قبل تنفيذ المهمة حلت أعياد الكريسماس، خطط الدبلوماسي وزوجته للسفر إلى لندن للاحتفال بالأعياد، لكن قبل سفرهما اشترط الدبلوماسي عليهما أن ينفذا جريمتين على الأقل قبل عودته من لندن ليطمئن قلبه، الدبلوماسي ترك مفتاح الشقة التي يقيم فيها مع زوجته ومفتاح السيارة الدبلوماسية لسائقه، وغادر البلاد، فكانت “مروة” التي تعرف عليها “م.ف” قبل خمس سنوات بأحد مراكز الشباب في الخرطوم، ودربها على عزف آلة الجيتار، أول ضحاياه بعد استدراجها إلى الشقة والتخلص منها داخل كيس بلاستيك في حي مايو، ومن ثم تلتها “نسرين” التي تعرف عليها أيضاً عن طريق امرأة لعبت دور الوسيط وهي الآن موقوفة كمتهمة ثالثة في الجريمة.
المحققون التابعون لإدارة التحقيق والمتابعة ذهلوا من اعترافات “م.ف” الخطيرة لكنهم أيقنوا أنه الدافع الحقيقي للجريمة، وأكدوا على تلك الإعترافات بمواجهة المتهم الثاني طالب الطب “م.ي” إذ أكد على كل ما ذهب إليه رفيقه الأجنبي، ولمزيد من إحكام للبلاغ سجلت لهما اعترافات قضائية وأوقفت إدارة التحقيق حرس الفندق الذي توسط في شراء (المسدس) والشخص الذي اشتريه منه فأقرا بما ذكر بشأنهما ووضعتهما الشرطة شاهدي إتهام، بل تواصلت المباحث مع سفارة جنوب إفريقيا في الخرطوم وقابلت ضابط المخابرات المستهدف بالاغتيال.
8
إدارة التحقيق عرضت الأمر على مدير مباحث ولاية الخرطوم المُعين حديثاً العميد “سليمان خريف”، ولأهمية وحساسية القضية دبلوماسياً رفعت المباحث القضية إلى رئاسة الشرطة، ومن ثم خاطبت إدارة الحصانات والامتيازات بوزارة الخارجية السودانية عن طريق إدارة التعاون الدولي برئاسة النيابة العامة، الأمر شابته صعوبات وتحديات كبيرة بالنسبة للشرطة من بعض الجهات لكن المباحث أصرت على مواصلة القضية، فكانت أول العقبات اتفاقية (فينا) لسنة (61) التي تمنح الحصانة المطلقة للدبلوماسيين وذويهم في المسائل الجنائية، وجاء رد الخارجية بأن المطلوبين يتمتعان بالحصانة المطلقة ولا يجوز القبض عليهما حسب اتفاقية فينا إلا بإذن من سلطات جنوب إفريقيا.
9
إدارة التحقيق والمتابعة بالخرطوم، واصلت العمل بشأن توقيف الدبلوماسيين، وعملت على ترجمة البلاغ بدقة متناهية ومن ثم أرسلته إلى سلطات جنوب إفريقيا عن طريق وزارة الخارجية، إذ ردت السلطات الجنوب إفريقية على الخطاب المرسل إليها بأنها شكلت لجنة لدراسة القضية ومن ثم أرسلت فريقاً سحب المعنيين من الخرطوم للتحقيق معهما حول الملابسات، وشكرت دور الشرطة السودانية في كشف الحادثة قبل وقوعها لأن الضحية أو الهدف ضابط مخابرات يتبع لها، وأكدوا تعاونهم التام مع السلطات السودانية حتى نهاية القضية.
10
اتفاقية فينا لسنة (1961) نصت على إمكانية محاكمة الدبلوماسيين المتهمين في مسائل جنائية في بلدان أخرى بموجب إذن من بلدانهم، أو محاكمتهم جنائياً داخل بلدانهم بالجرم الذي اقترفوه في بلدان أخرى.
الآن السلطات السودانية تحتجز المتهمين في قضية مقتل الفتاتين “مروة ونسرين” في انتظار رد سلطات جنوب إفريقيا ومدى جديتها في التقرير بشأن دبلوماسييها المتهمين بالتحريض على قتل الفتاتين (تدريباً) لاغتيال الملحق الأمني ضابط المخابرات بسفارتها في الخرطوم.

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: