تحقيقات وتقارير

الخُبز والغاز والوقود.. ثالوث أزمات يُحاصر الحكومة!!

الخرطوم: ياسر الكُــردي

لم يصدِّق الشعب الذي اقتلع السُّلطة من نظام (دموي) كان على أتمِّ استعداد للتضحية بثُلُثى مواطنيه لينجو من السقوط – حسبما قال الفريق حميدتي عن رأس النظام (المخلوع)-، لم يُصدِّق أن الحكومة التي (سلَّمها) سُلطة مُتوَّجة بدماء الشهداء قد عجزت تماما عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة له، فبعد ما يزيد عن العام لتشكيل حكومة الفترة الانتقالية بقيادة “حمدوك” ها هو الشعب يتفرَّق بين صفوف الخُبز والوقود وغاز الطبخ، دون أن تلوح في الأُفق بارقة أمل.

صفوف البنزين
“أسامة عثمان المك”، شاب يعتمد في دخله ومصدر رزقه على عربة (كورية) ماركة (لافيتا)، قال لـ(السوداني) انه وخلال أسبوع كامل ترك عمله تماما و(تفرَّغ) لمعركة البنزين – على حدِّ تعبيره- لكنه لم يقف في صف إلا ووجد قبله ثلاثة صفوف يزيد عدد أقصرها عن المئة سيارة، وقبل أن يجيء دوره يُعلن العاملون بالطلمبة عن نفاد الكمية.. “أسامة” قال إنَّ البحث عن الوقود نفسه كان يخصم من البنزين البسيط الموجود بـ(تانك) العربة، وأقسم أنه في آخر يوم لمحاولاته المتكررة، وقف في أحد الصفوف المُتعرِّجة من طولها فنفذ بنزين عربته وظل يحرَّكها بـ(الدفرة) حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوصول لماكينة التعبئة ليفاجئهم العامل بقوله (البنزين كِمِل)، وهنا يؤكد “أسامة” انه اشترى (شوية بنزين في كرستال من صاحب ركشة) لكيما يوصل به عربته إلى المنزل و(يركب) المواصلات.
مآسي الخبز
أما عن رغيف الخبز الذي بلغت الأزمة فيه مرحلة جعلت الأفران تبتدع فكرة تسجيل الأسماء في كشوفات ومن ثم انتظار الدور، وهذا ما جعل “نزار أحمد محمد” يتوجَّه قبل أذان الفجر الأول، للمخبز الكائن بالمنارة شارع الكوبري، لتسجيل اسمه ورغم ذلك كان يتحصَّل بالكاد على رغيفات لا تُشبِع الخمس منها طفل صغير، “نزار” قال لـ(السوداني) انه كان يقف أكثر من ست ساعات للظفر بهذه الأرغفة، لكن عندما بلغت الأزمة ذروتها جاء بعد خروجه قبل الفجر كالعادة لكنه عاد منتصف اليوم بخُفي حُنين، وحلف بـ(الطلاق) ألا يقف في صف عيش مرة في ظل هذه الأوضاع المُزرية.
(أُسطوانة) البحث عن غاز!!
ورغم أن المواطنين بكافة ولايات السودان ظلوا لفترة تزيد عن العام يعانون من أزمة مستفحلة في غاز الطبخ جعل سعر الأسطوانة يقارب الـ(2000) جنيه بولاية الجزيرة المُتاخمة للخرطوم، وعلى ذلك قِسْ ثمنها في الولايات الحدودية، لكن ها هي الأزمة تنتقل إلى العاصمة الخرطوم.. وفي ذلك تقول المواطنة ” سارة نور الدائم” أنها ذهبت بسيارتها إلى مركز الغاز القريب من مكان ساكنها بأم درمان لاستبدال (اسطوانتها)، فأخبرها صاحب المحل بأن الغاز (قاطع) عنده منذ أكثر من اسبوعين، وبعده ذهبت إلى أكثر من خمسة مراكز لبيع الغاز دون أن تجده. “سارة” قالت: حتى لا أفقد بنزين سيارتي الذي ربما احتاج له لنقل والدتي أو أطفالي إلى المستشفى ( لا قدَّر الله)، هداني تفكيري لترك السيارة بالمنزل واستئجار (ركشة) للبحث عن أنبوبة غاز، وقد استمر ذلك لثلاثة أيام متتالية دفعت خلالها (820) جنيهاً لمشاوير الركشات واضطررت لشراء الأسطوانة بـ(السوق الأسود) بـ (600) جنيه لتصبح قيمتها الكلية (1420) جنيهاً.
وعود كاذبة
ورغم أنَّ وزير الطاقة والتعدين المكلف المهندس خيري عبد الرحمن قد أرجع أزمة الوقود إلى خلل فني أصاب مصفاة الجيلي، مما تسبَّب في ازمة الوقود خلال الأيام الماضية، لكن عددا من الخبراء الاقتصاديين أجمعوا على أن الأزمات التي تمسك بخناق البلاد في الوقود والخبز وغاز الطبخ ليست وليدة الأمس كما يدعي بعض المسؤولين ومنهما على وجه التحديد وزراء الطاقة والتعدين، والتجارة والصناعة، فالأخير تعهَّد قبل قُرابة العام في لقاء تلفزيوني أُجري مع رئيس الوزراء بحضوره هو ووزير المالية (السابق) إبراهيم البدوي، حيث التزم مدني عباس بحل نهائي لأزمة الخبز خلال ثلاثة اسابيع وما يحدث الآن أمام جميع المخابز لا يحتاج لتعليق.
وحول أزمة الوقود التي اختزلها الوزير في الأيام الماضية فقط ومُعللاً ذلك بالخلل الفني الذي أصاب مصفاة الجيلي، فكل الشواهد تؤكد وتعضد على أن الأزمة ليست وليدة الأمس وتشهد على ذلك صفوف الجازولين التي اعتاد الكل على رؤيتها قبل سقوط النظام البائد وحتى يوم الناس هذا، دون أن تلوح في الأُفق بارقة أمل، مما تسبب في أزمة مستفحلة للمواصلات بالعاصمة. أما في الولايات فظلت المشكلة مزدوجة في البنزين والجازولين وأصبح السوق الأسود هو المُتسيِّد على الموقف تماماً حيث يباع جالون البنزين بـ(500) جنيه.
شُعبة الغاز توضِّح الأسباب
وبعيداً عن (تطمينات) المسؤولين يؤكد أصحاب محلات الغاز أن أزمة الغاز المُستفحلة بالولايات منذ سنوات جعلت (الضغط) على ولاية الخرطوم يزداد يوما بعد يوم، فأصحبت معظم الولايات تعتمد في حصتها على الخرطوم حتى ولو كان ذلك عن طريق التهريب. وهذا ما أكده الامين العام لشعبة الغاز فضل يس الفضل، حيث أرجع أزمة الغاز الحالية بولاية الخرطوم إلى النُدرة التي تعاني منها الولايات من حصتها، ما جعلها تلجأ للخرطوم، وأضاف الفضل سبب آخر هو عُقم الاجراءات التي تبدأ بختم لجان الاحياء ومندوب الوزارة بالمحلية ومندوب مباحث التموين وغيرها مما يُعدُّ (مضيعة) للوقت تنعكس بسرعة على استفحال الازمة الموجودة أصلاً بسبب ضعف من المستودعات.
تشريح أزمة
وبالعودة لأزمة الخبز التي بلغت مداها الآن فيؤكد عبد الهادي دارقيل – صاحب مخبز ببحري – لـ( السوداني) أن مخابز ولاية الخرطوم تشهد اصطفافا غير مسبوق، مؤكدً أن الجهات المختصة قالت لهم إن هنالك مشكلة في انسياب الدقيق، نتيجة لتراكم مديونية المطاحن طرف وزارة المالية. وأضاف دار قيل مشكلة أخرى متعلِّقة بكل أصحاب المخابز ألا وهي ارتفاع تكاليف مدخلات الانتاج، منها أن صاحب المخبز مُواجه بالتزامات الايجار والعمال، وحول التكاليف الأخرى قال إن كرتونة الخميرة قفزت الى (6) آلاف جنيه، اما جركانة الزيت فوصل سعرها (7) آلاف جنيه، منوهاً إلى أن كافة اسعار مدخلات الخبز بالاسواق في حالة ارتفاع مستمر، وشدَّد أصحاب مخابز أنه حتى في حال توفر الدقيق ستظل الازمة قائمة ما لم تلتفت الحكومة الى الاسعار الجنونية للخميرة والزيت وغيرهما من مدخلات الانتاج.
الاعتراف بالذنب فضيلة
الشاهد في الأزمات الثلاث التي تحاصر حكومة الفترة الانتقالية وتجعل كافة الاحتمالات مفتوحة خلال الايام القادمات، وربما تكون مظاهرات أول أمس التي انطلقت من السوق العربي وكادت أن (تدق ميس) مجلس الوزراء هي (البروفة) الأولى لما تُخبئه قادم الأيام، الشاهد أن وزراء حكومة الفترة الانتقالية يسيرون في ذات الدرب الذي كان يسلكه أسلافهم من النظام البائد وهو (اختلاق) أعذار كان أفضل منها الصمت، لأنَّ الشعب الذي يُخاطبونه علاوةً على أنه واعٍ فهو يعيش هذه الأزمات التي يتسبَّبون فيها ويعرف أسبابها الحقيقية أكثر من (جوع بطنه)، ولذا كان على السادة الوزراء أن (يحترموا) عقول شعبهم عوضا عن أعذار هي تتفوُّق في مرارتها على الأزمات نفسها.

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: