أبرز الأخبارأخبار السودانباج نيوز

فاروق أبو عيسى … حزن مستحق

بقلم: حاتم السر

قال تعالي: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ» (الأعراف/ 34).

سبحان الله!! قبل لحظات كان مقبلا على الدنيا – كل الدنيا – وفجأة وبدون سابق إنذار جاءه الموت؛ فرحل عن دنيانا الفانية الى دار الخلود ـ غادر إلى لقاء ربه سبحانه وتعالى قبل ساعات، لم يحتمل قلبه العليل؛ جرعة إضافية من عذابات السنين. ولم يترك لنا سوى الذكرى الطيبة التي حفرها في قلوب كل من عرفهم وعرفوه. كان يتنفس الحياة بيننا، فأصبح طيفا وذكرى يتناقلها الزملاء والرفاق والأصدقاء والأهل على الشبكة العنكبوتية. لم أصدق الخبر وأنا أقرأه هذا الصباح؛ على المواقع الإلكترونية فبادرت بالاتصال هاتفيا بالصديق الدكتور الشفيع خضر؛ ومن نبرات الحزن والأسى التي كست صوته أدركت أن المصيبة قد وقعت. وأكدها عندما رد على تحيتي بـ (صباح الخير يا دكتور) بـ (البركة في الجميع يا حاتم) وعندها تلاشت الكلمات وحلت محلها العبرات والدموع، وما أغلى دموع الرجال. الله يختار التوقيت الذي يسترد فيه وديعته، ولذلك كان الموعد المضروب صباح هذا اليوم الحزين ليرحل عن عالمنا (فاروق ابوعيسى) أعظم القادة الوطنيين في البلاد، تاركاً في عيوننا دمعة وفى قلوبنا حسرة، وفى وجداننا ذكرى خالدة وباقية!

فاروق ابوعيسى عقل يتحرك دوما صوب المستقبل، وفكر يتجاوز حدود الواقع، وصاحب تشخيص صحيح لمشكلات وقضايا معقدة. ولديه قرون استشعار تنبؤه مبكرا بالقادم، وجعلته صاحب رؤية استراتيجية أو كما يقال بلغة القوم والعامية السودانية “مرفوع عنه الحجاب” ولا غرو في ذلك؛ فالرجل ينحدر من ذات البيئة الصوفية التي تردد صباح مساء راتب وأساس الإمام الختم، وبيتهم محل خلافة الختمية بمدني ومنزلة السادة المراغنة، منذ لدن الزعيم الأكبر مولانا السيد علي الميرغني الى يومنا هذا، وكان شديد الاعتزاز بتلك التنشئة وتلك البيئة وذلك الموروث الصوفي الذي لا يخلو من الانتساب إليه بيت سوداني عريق.

اختص الله تعالىأستاذنا فاروق بخواص وميزات لم تجتمع لأحد من قبله، ولا من بعده: الأولى هي إجماع الناس واتفاقهم على حبه واحترامه وقبوله؛ بمختلف مشاربهم! ولم ينافسه في ذلك أحد من القادة السياسيين السودانيين. أما خاصيته الثانية التي تفرد بها فهي موهبته الجبارة وقدرته الفائقة على إحداث التوازن والتوافق بين الأشتات والمتضادات التي تفوق بها على جميع ساسة عصره السابقين واللاحقين على مدار القرن العشرين! وأذكر كنا نلقبه خلال سنوات المعارضة بالخارج بـ (ملك التوازنات) وما من قضية تكون محل خلاف وتنازع بين الفرقاء والفصائل في التجمع الوطني الديمقراطي إلا وعند (الملك) فاروق الحل الأكيد الذي ينال رضاء كل الأطراف.

كان الراحل أبو عيسى أحد أبرز الساسة السودانيين الذين حملوا هموم وطنهم منذ عقود؛ للنهوض ببلاده والتخفيف عن أبناء الشعب السوداني، بعد سنوات من التهميش والمعاناة، قاد جحافل المناضلين ضد الإنقاذ ونازلها في الساحات الدولية والمحافل الإقليمية مدافعا من أجل الحرية والديمقراطية لشعبه وكل الشعوب العربية، وهذا باب واسع فاضت بذكره وتناوله وسائل الإعلام اليوم؛ ولا أكرر ولا أزيد فمناقب ومآثر ومواقف وإنجازات الرجل لا تعد ولا تحصى في مثل هذه العجالة، وبالطبع.. ليس من مهام هذه الخواطر والانطباعات الحديث عن هذا الجانب؛ لأنها مجرد سطور في يوم الرحيل الحزين لنعوض بها حرماننا الذي تسببت فيه ظروف تواجدنا خارج البلاد من حضور التشييع والعزاء، فقصدنا أن نعزي بهذه السطور الحزينة والباكية وهي بمثابة وداع لمن أحببناه فمات، وما تبعنا نعشه، ولا خرجنا في جنازته، وما نزل ملح عيوننا ليبلل نعشه الطاهر وتراب قبره الأخضر اللين.

قائد وطني بهذه المواصفات والقدرات التي يشهد بها العدو قبل الصديق؛ لو كان السودان محظوظا كان فاروق يكون حاضرا وموجودا كأحد أهم قوارب النجاة من هذه الحالة المضطربة والمرتبكة والملتبسة المحيطة بالبلاد حاليا. ولو كان فاروق بحكمته وحنكته وخبرته وعلمه قائدا للفترة الانتقالية؛ لكان وضعها قد اختلف عما هي عليه الآن من ضعف وبهتان وبطء. ولكنها مشيئة الله ولا راد لمشيئته ولا مبدل لكلمته؛أرادت للأستاذ أن يكون عند ساعات النصر ونجاح الثورة والحصاد الذي غرس بذرته وتعهدها بالسقاية عرقا وسهرا ونضالا وتضحيات، ووفر لها الحماية والرعاية الىأن اشتد عودها وقويت فروعها وأينعت ثمارها وحان قطفها؛ فكانت من نصيب آخرين كتبت لهم أزلاً. يا سبحان الله!

شأني شأن الكثيرين.. ظلت تربطني بالراحل المقيم علاقة صداقة، وكنت أقول له وأفتخر بذلك:أنت أستاذي في القانون ومعلمي في السياسة، ويشرفني أن أنهل منك وأتعلم. وتطورت صداقتنا الى علاقات أسرية ممتدة. وكانت بيننا حوارات ولقاءات واتصالات لم تنقطع إطلاقا. وظلت راسخة ، رغم تبدل الظروف والأحوال والمناخات، وجرى مياه كثيرة تحت الجسور. ولذلك بعد التيقن من نبأ الرحيل الحزين، حرصت على أن أفتح (الموبايل)، وسيلة التواصل الدائمة بيننا، فوجدت آخر اتصال هاتفي جرى بيننا كان يوم السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠م الساعة الثامنة و٢٢ دقيقة مساء أي قبل الرحيل بثلاثة اسابيع فقط، وأكاد أسمع صدى صوته الجميل والأنيق يتردد في أذني حتى الآن. ولو كنت أدريأنها الوداع لاستزدت من نصائحه ورؤاه،ويا سبحان الله!! فقد قلت لابنته المكلومة والحزينة أمل – عقب المكالمة – قلت لها: الأستاذ زودني بخارطة طريق كاملة للمرحلة الجديدة، وسوف أعكف على تنفيذها، وهي بذلك من الشاهدين، كما سردت لها أهم ما تناولناه في المكالمة الوداعية الطويلة، وحملني بوصايا لرفيق دربه الذي كان يحبه ويقدره مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، وأعترف بتقاصر فهمي عن كنه الرسائل، وإلا لكنت من خلال مضمونها أدركت أنه الوداع.

فاروق كان في حياته جميلا وفي موته كان أكثر جمالا؛ حيث لم يُتعِب أحدا من أحبابه؛ فقد سلم الروح وهو في بيته وفي سريره وبجوار شريكة عمره الأستاذة نعمات – أطال الله عمرها – فهي حبيبة قلبه عاشت في رحابه ورافقته المشوار الطويل؛ لأكثر من نصف قرن خطوة خطوة؛ دون كلل أو ملل، وقلوبنا معها ونشاطرها الأحزان وهي تعيش حاليا حالة الصدمة بهذا الفراق الحزين والأليم، والتعازي وصادق المواساة لكريمات الأستاذ المكلومات الحزينات؛ نهلة وأمل، وأعلم بأن قلبيهما يكادان ينفطران حزنا على رحيل والدهما الحنون. والعزاء متصل لعموم آل أبو عيسى بمدني، ولكل زملاء ورفاق وأصدقاء أستاذنا فاروق أبو عيسى، عليه رحمة الله.

اللهم ارحمه ووسع نزله وأكرم مدخله وتقبله قبولا حسنا وعامله بما أنت أهل له أنت أهل الفضل وأهل المغفرة. وأختم قولي بالصلاة معظما، أيا ربنا صلي وبارك وسلما، على المصطفىوالآل والصحب دائما، صلاة تفوق المسك عطرا مفخما، يطيب بها كل الوجود ويتلألآ.

The post فاروق أبو عيسى … حزن مستحق appeared first on جريدة المواكب.

المصدر :المواكب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: