الاخبارد. عبد اللطيف البونيمقـــالات

عبد اللطيف البوني يكتب : الجنيه السُّوداني أصبح سلعةً تُباع وتُشترى .. أصبحت النقود بدلاً من أن يُتاجر بها أصبح يُتاجر فيها

تاجر القطاعي (المُفرّق)، والبائع الجائل، والدلالية، والصيدلي، والتشاشي وكل الذي يُقدِّم خدمة للمُواطن مُقابل مبلغٍ بسيطٍ يستلم هذا المبلغ نقداً (كاش) ويذهب لمن يبيع بالجُملة ليشتري منه السلعة، فتاجر الإجمالي هذا يستلم الكاش وهاك يا بيع للتُّجّار الذين يتعاملون بالشيكات مثل تُجّار العُملة وغيرهم، فيبيعون لهم الكاش مُقابل الشيكات بفارقٍ لا يقل عن عشرين في المائة أي يدفع الواحد ثمانين ألفاً كاش ويستلم شيكاً بمائة ألف، وأحياناً يزيد ثم يقوم تُجّار الجُملة بتوريد الشيكات للمُصنِّعين أو المُستوردين مُقابل السلع والبضائع التي يبيعونها لتُجّار القطاعي.
فتُجّار الجُملة أصبحت فائدتهم مُركّبة وهذا هو الفيلم الجديد في عالم التِّجارة السُّوداني، وهكذا الأحوال في سُودان اليوم الذي لا تنقضي عجائبه، فالجنيه السُّوداني مع تدني قيمته و(سجمه رماده) أصبح سلعةً تُباع وتُشترى! وهكذا أصبحت النقود في السُّودان بدلاً من أن يُتاجر بها أصبح يُتاجر فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله!
(2)
في تقديري، إنّنا لا نحتاج لكثير جُهد لنُبيِّن الأضرار الناجمة عن الفيلم السُّوداني الجديد والمُشار إليه أعلاه، والذي في تقديري أنّه لا مثيل له في الدنيا، فقد تَسبّب في ارتفاع الأسعار والغَلاء الطاحن، كَمَا أنّه يتسبّب في الثراء الطفيلي ويَجعل الأموال تتّجه إلى غير الإنتاج، والأخْطر من ذلك أن يُحطِّم الائتمان، إذ يُولد النُّقودُ من النُّقودِ بصُورةٍ وهميةٍ، ممّا يعني أنّ ودائع البنوك لا تُقابلها نُقودٌ حَقيقيّةٌ ليصبح انهيارها وشيكاً وهي أصلاً حالها يُغني عن سُؤالها بالطبع لا نحتاج لنقول للذين يتعاملون بالنقود هذا التّعامل الذي ما أنزل به من سُلطان، إنّ ما تقومون به مُخَالِفٌ للشرع، وإنّه ربا صرف وحرام شرعاً، لأنّ هؤلاء القوم جدعوا دين التعامل وراء ظُهُورهم وأصبحوا مُركِّزين على الجانب التّعَبُّدي فقط، فالواحد منهم يضرب المليارات ثُم يبني مسجداً أو يتوجّه إلى الحجاز ليجح أو يعتمر ويمسح كل الذنوب دُون أن يخطر على بالِهِ الدَّمار الذي أحدثه للبلاد والعباد هذا إذا كان مُتَدَيِّنَاً!! أمّا اذا كان بعيداً عن الدين فلن ندغدغ عواطفه بالوطنية، لأنّ الوطن أصبح هو جيبه، إنّما يجب أن نُوجِّه حديثنا للمسؤولين الذين تسبّبوا في كل هذه البلاوي فأوردونا مورد التهلكة!! إذ لم يحدث من قبل أن عجزت البنوك عن إرجاع أموال المُواطنين منذ أن عرفت بلادنا البنوك، ولم يحدث من قبل أن أصبحت العُملة سلعة!!
(3)
إذن، يا جماعة الخير، أزمة السُّيولة لن تنتهي بالذي نراه أمامنا من مسؤولين وحُلُول، فقد أصبحت لهذه الأزمة سَدَنَة يحرسونها لفائدتهم منها، فالكاش مَوجُودٌ وبالكوم لكنه أصبح مُخزناً لأنّه سلعة مثله مثل الذرة والسِّمسم، فالخزن الحديدية التي اُستعيض بها عن البنوك أصبحت مخازن بها سلعة وهي البنكنوت يزيد سعرها أو ينقص على حسب العَرض والطَلب، فلو رفعت الحكومة فئات العُملة إلى الورقة فئة ألف جنيه ولو طَبعت مئات الأطنان من الورق رَبْ رَبْ رَبْ فلن تنتهي الأزمة لأنّ الخزن الحديديّة الضَخمة (غُرفة كاملة) مَوجودة، فمثلما فشلت الحكومة في مُحاربَة تُجّار الدولار سوف تفشل في مُحاربة تُجّار العُملة السُّودانية، لأنّ الحكومة مُخترقة من هؤلاء التُّجّار في مُؤسّساتها كَافّة، إنّه تحالفٌ طفيليٌّ جديدٌ بين الدولة والسُّوق، فهذا يعني بالضرورة أن يكون الحل سِياسِيّاً، ثُمّ يأتي الاقتصادي.. فخليكم معانا إن شاء الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق