(حوار مع الصفوة).. بقلم عبد اللطيف البوني

0

 

(1)
منذ أن ارتضى الإنسان العقد الاجتماعي كوسيلة مثلى للتعايش السّلمي، ظلّ هذا الإنسان يَعمل جَاهِدَاً لتطوير ذلك العقد، فإن كَانَ العقد الاجتماعي المُتعارف عليه هو أفضل مَا تَوصّل إليه الإنسان إلا أنّه ليس الأفضل، بالتالي لا بُدّ من أن يسعى لترقيته، وعليه يكون بَحث الإنسان عن الأفضل مسيرة أبدية لن تنتهي لأنّه لن يدركها ومع ذلك سيظل يسعى إليها فهذا السعي هو قدر الإنسان (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ…) الآية، ويُقابل هذا الجدل في العامية عندنا (عين ابن آدم لا يملأها إلا التراب)، ولنأخذ لذلك مثلاً، الديمقراطيات الغربية التي جعلت بلدانها مُستقرة باعتبار أنّها أوجدت صيغة مثلى لإنهاء الصراع على السُّلطة، هذه الديمقراطيات أصابها التّكلُّس خَاصّةً في نظامها الاقتصادي القائم على حُرية السُّوق فظهرت فيها المسؤولية الاجتماعية، وأحياناً دعاوى اشتراكية سافرة وتظهر فيها هباتٌ شعبيةٌ مثلما يجري في فرنسا الآن من أصحاب “السترات الصفراء”.. أما أمريكا فهباتها في شكل فضائح رئاسية (كلينتون – ترامب)!
(2)
قصدنا من الرمية أعلاه، القول إنّ الحراك السياسي، وإن شئت قل إنّ الاحتجاج السِّياسي طبيعة إنسانية فهو لن ينتهي مَهما كَانَ شَكل وسياسة النّظام الحاكم (ثلثا الناس ضد الحاكم وإن عدل)، ناهيك عندما يكون نظام الحكم عليه الكثير من المآخذ ولا يُوجد نظامٌ في الدنيا يُمكن أن يضع (في بطنه بطيخة صيفي)، فثائر اليوم هو مُحافظ الغد والعكس صحيحٌ، ولكن مع ذلك من الواجب أن يسعى الإنسان لتنظيم ذلك الصراع الأبدي ويُقلِّل الخسائر فيه للحد الأدنى ما استطاع إلى ذلك سبيلا, عندما نقول يسعى الإنسان فإنّ التّكليف هنا ليس شاملاً لكل الناس، بل لنخبتهم أي صفوتهم و(لتكن منكم أمة…) الأمة المقصودة هنا هي الصفوة أي النخبة، لأنها هي التي تقود التّغيير، فالتغيير لا يصنعه العَامّة إنّما يفرضه العامة وتقوم به النخبة لأنّها الأقدر على قراءة الواقع والأكثر قُدرةً على استشراف المُستقبل أو هكذا يجب أن تكون (يا بلادي كم فيك حاذق.. غير الهك ما أم رازق من شعاره دخول المأزق.. يتفانى وشرفك تمام.. وما هو عارف قدمه المفارق…) كَمَا غَنّى الخليل.
(3)
حراك ديسمبر – يناير الشبابي في السودان، أحدث واقعاً جديداً وخلخل الكثير من الأعمدة التي ظَنّ النّاس أنّها ثابتة، وقد فتح الطريق لاستشراف مُستقبلٍ جَديدٍ لبلادنا.. نحن هنا لسنا بصدد تسقط بس أو تقعد بس، إنّما بصدد الكوة الجديدة التي انفتحت والتي نتمنّى من النخبة السودانية مُحاولة الرؤية من خلالها وتصل ببصرها آخر النفق وتقف عند حزمة الضوء أو حتى شعاع ضوء، فهذا الشعاع يجب الإمساك به والنفخ فيه ليصبح شمساً تضيء كل البلاد، بعبارة أُخرى يُمكننا أن نُحَوِّل هذا الحراك إلى مَدخلٍ لحل كل قضايا البلاد التي أقعدتها زمناً طويلاً.. ومن الآخر كده لقد أتاح هذا الحراك فُرصة لمُساومة تاريخية نضع فيها كل بلاوي البلاد المُتلتلة على بلاطة ونُناقشها، فليمضي الذين يقولون تسقط بس في سبيلهم، وليمضي أهل الضفة الأخرى في سبيلهم (عكِّروها وأدونا صافيها)، ولكن النخبة ينبغي أن تنصرف إلى ما هو أبعد من ذلك وتقترب من كل المسكوت عنه وكل الممنوع و(تفتُّه فتّاً) وخليكم معنا إن شاء الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.