غالب طيفور الشائب : زجاجة من نار …

0

لا تعاتبني يا صديقي العزيز ، فقد كان يوم أمس غريباً في تفاصيله ، ومرهقاً منذ إنطلاقته وحتي نهايته ، كنا نتقافز في المتروهات بمدينة (باريس) انا ومعي اثنين من اخوتنا السودانيين ، وكانت الحادثة الأولي ونحن داخل القطار المتوجه لمحطة (قاردليون ) وبعد أن سمعنا صافرة إغلاق ابواب القطار والابواب تتحرك بسرعة لتغلق بصورة اوتوماتيكية اذ اندفع أحد الشباب قادماً للصعود ومتسللاً بسرعة للحاق بالقطار ليتفاجأ بالابواب تعتصر يديه بطريقة محكمة ، فصارت يديه داخل القطار وجسده خارج القطار ، والقطار يهم بالتحرك فأندفع أحد الأخوة الذين كانوا معي اذكر اسمه (فتحي) وبدأ يصارع باب القطار حتي يخلصه ، والآخر يصارع من الخارج ليخلص يديه ونحمد الله ان سائق القطار انتبه له من خلال كاميرات المراقبة قبل أن يتحرك ولو تحرك لتمزق هذا الشاب الأسمر الي اجزاء ، فانفتح الباب ، ووثب الشاب الي الداخل ، والجميع مذهول ، فشكر صديقنا (فتحي) همساً وعاد (فتحي) ليجلس بقربي ، فسألت : هل هذا الشخص سوداني ؟ ضحك (فتحي) وقال لي : نعم يبدو انه (صاروخ) ، بمعني حضر الي فرنسا حديثاً ، ضحكت وقلت له : نعم هو سوداني لانه استحى من الصراخ فصراخه سينبه الجميع ويهبوا لمساعدته ، ولكنها عادة سودانية الصراخ عيب كبير ، ولا أدري هل الصمت نوعاً من الشجاعة أم نوعاً من البلادة ؟! تحرك القطار وهبط (فتحي) في محطة بسرعة للحاق بمباراة (فرنسا ضد لجيكا ) في ربع النهائي ، وتحركنا لمحطة (بيرسي ) ومنها سوف اتجه لمدينة (روان) حيث أقطن ، سوف استغل آخر باص وكانت الساعة الثامنة مساء ، ومواعيد الباص الثامنة وخمسة وعشرون دقيقة ، في هذه الفترة احدد مكان الباص والممر الذي يقف فيه ، ويبدو ان هنالك إشكالية بسبب مباراة (فرنسا بلجيكا) فالجميع يرفض العمل ، اتجهت للممر الذي يقف فيه الباص بعد أن استودعت صديقي الآخر ، ووجدت مجموعة تقف أمام بوابة الباص ، لم انتبه الي ان هنالك رسالة وصلتني في الإيميل وهي : اعتذار من شركة المواصلات بتاخر الباص لمدة خمس وثلاثون دقيقة والجميع يعلم عدا أنا وفتاة هندية كانت تقف بجواري وكنا ضجرين ، والزمن يمضي ، فشعرت بالملل وتحركت جيئةً وذهاباً حتي تحدثت معي الهندية باللغة الفرنسية ، فإعتذرت لها باللغة الانجليزية باني لا اتحدث الفرنسية ، فضحكت وقالت لي انا أجيد اللغة الانجليزية ، وسألتني عن مكان سكني في مدينة (روان) فقلت له : (سنتيتيان) فقالت بسرعة انا ايضاً اسكن (سنتيتيان) وهي مدينة صغيرة تبعد خمسة كيلو أو اكثر من ( روان ) قلت لها : من معك في هذه السفرية وكان سؤالي لشعوري بصغر سنها ، فضحكت وقالت لي : انا لوحدي فقد كنت في (امستردام ) مع صديقتي ، ثم ضحكت بخجل وقالت بالمناسبة عمري تسعة عشر عاماً ولكن شكلي يوضح بأنني أصغر – وهذا يعني انها مسئولة من نفسها – ، حينها تذكرت فنان افريقيا له الرحمة (محمد وردي) وهو يصدح باغنيته الشجية (تسعتاشر سنة عمر الزهور ، عمر الغرام ، عمر المنى ) وكانه يقصدها ، فإنطلقنا نتحدث و نتسامر واحيانأ نتأمل ، وبدأ الملل يذوب داخل غطاء الأمل .
كانت صغيرة هامسة حانية ، حتي بدأ سائق البص يطلب من الجميع الصعود ، تمنيت لو تاخرنا ساعة أخري جلسنا قرب بعضنا ، وهي تحكي لي عن دراستها في الجامعة وتخصصها كطبيبة ، وهي مسلمة تجيد اللغة الهندية ، والفرنسية ، والانجليزية بطلاقة وعندما علمت بانه مسلمة تأكدت أن البوابة الي قلبها سهلة وهي الأخلاقيات والصفات التي نهلنا منها فانتهجت معها أسلوب الصحابة (رضوان الله) عليهم ، والنخوة والكرم والإستحياء ، وحفرت عقلي لأقترب منها بالاحاديث الجميلة ، وصفات الملائكة ، فسكبت دلواً ضخماً من المغلفات الايمانية ، وشعرت بنفسي أحد الائمة ، وشعرت بنظرة عيناها وهي تتلصصني وانا أكبر في نظرها حتي ازدت زهواً ، وتدفقت اطناناً من الإعجابات ، حتي اكتمل الكلام ، وجاءت موجةً من الصمت ، والنظر ، والترقب ، وشعرت بأنها مرهقة تحاول أن تسند رأسها في المقعد ، فاختلست النظر لشعرها المنسدل من بداية المقعد وحتي نهايته وكانه الليل الحالك ، وبدأ رأسها يميل نحو كتفي ، والتعب والنوم يغالبانها ، حتي شعرت برأسها ينام علي كتفي بهدوء ، في هذه اللحظة شعرت بإصطدام الكواكب والمجارات ، وسمعت صراخات قلبي لقد اشتعل التوربين المغلق بعد طول غياب ، واي اشتعال انها لمسات الهندية لحظات سموت بها كل ارجاء العالم ، وتذكرت كل المآسي والمواجع التي عبرت عليها ، انها العوض بلا شك ، لقد طاف عقلي بكل ممثلي السينما الهندية بداية (بإمريش بوري واميتاب بأتشان) وحتي (شاروخان وامير خان ) ، فرقص جسدي وهو يحتوي هذا الكنار الحالم ، وعندما استيقظت حاولت أن تعتذر ، فطلبت منها عدم الإعتذار ، فضحكت ورمت رأسها داخل صدري ببراءة وطمأنينة ، حتي شعرت هي بدقات قلبي الممكون ، وكانت تفاصيل محياها تؤكد انها تسمع دقات قلبي ، وهذا ما جعلها تنام مطمئنة ، ولكني اشتعل مثل البركان ، وكلما نظرت اليها أكاد اهمز نفسي ، حتي لايكون حلماً ، واصرخ في داخلي إنها حقيقة ، ما أغرب هذا الكائن الأنثوي!! رغم انها نائمة ومرهقة لكنها تشعر بنظراتي اليها فتترجمها تعابير من خلال وجهها البهي واشعر انها تبتسم ، ولكن فرحي في إدارتي للحوار معها بطريقة -دبلوماسية- جميلة ، وبينت لها الفضائل التي غرست فينا ونحن أطفال ، وبعفوية رفعت الخمار الصغير الذي ترتديه فوق راسها ، حتي لامست شعرها وأصابعي تنزلق من نعومته ، فرفعت راسها وشكرتني ، وقالت : انت أجمل حدث في هذه الرحلة ، انك رجل ملتزم ومؤمن ، وصادق ، وشهم ، فقلت انتي أجمل من شاهدته في فرنسا ، فضحكت بخجل ، وقطع حديثنا سائق الباص وهو يعلن نهاية الرحلة ، احست باني متضايق فقالت لي ستكون هنالك سفريات كثيرة ، هبطنا سوياً ، وانا علي امل الاتصلات والمقابلات والرحل والسفريات ، بدات مباشرة بالإتصال بوالدها ليقلها للمنزل ، وقالت لي : اكتب رقم هاتفي فانا متشوقة لاتصالك غداً وضحكت ببراءة : وانا ارتجف شوقاً وكانه حلم ، انشغلت بالاتصال بوالدها ، وانا أفكر كيف أجد الوسيلة التي تعيدني للمنزل فقد تاخر الزمن ، وتوقفت جميع وسائل النقل ، والساعة تجاوزت الثانية عشر ليلاً ، وانطلقت الشوارع في مدينة (روان) تحتفل بفوز (فرنسا علي بلجيكا) والجميع ثائرون فرحون ببلوغ فرنسا للمبارة النهائية ، فقالت لي : انا اسمي (اسماء) ، فقدمت لها نفسي ، وقالت : يمكن ان اطلب من بابا أن يوصلك حتي منزلك ، فإعتذرت لها بحجة سوف استغل الباص الليلي ، وقبل ذلك سوف انتظر حضور والدك حتي اطمئن عليك ، فالشباب الطائش المخمور كثر اليوم ، ضحكت وقالت لي : ان والدي يعمل قريباً من هنا سوف اذهب ليكمل باقي عمله وننطلق للمنزل ولكن اريد ان أسالك : من اي منارة ظهرت ، انا سعيدة بصحبتك ؟ وبعض الكلمات التي لا اعلمها في اللغة الانجليزية ولكني تبسمت حتي تشعر بانني فهمت ! لحظات وظهر والدها وسلم علي بصورة بشوشة ، وودعتني وأناملها مطبوعة في أحاسيسي .
تحركت نحو المحطة وحيداً سعيداً اتقافز كالأطفال ، تنتابني مشاعر الوجود ، وتغزوني مشاعر العظمة والفخر ، اتصلت بأحد الاصدقاء وسالته عن وسيلة نقل فرد بان الزمن قد تاخر وعليك السير علي الأقدام رغم اني مرهق ، واحمل المواد الغذائية السودانية التي اعشقها (الفول والدكوة والويكة) التي إبتعتها من باريس ، لكني سعيد بفتاتي وايقونتي الهندية الصنع فانطلقت ، وانا أغني وأصدح والشوارع تمتلئ بضجيج المشجعين ، وهم في قمة نشوتهم حتي مررت بمتجر ضخم ، فدخلت لابتاع لي مشروباً يخفف عني اشتعالي وإنشغالي ، فوجدته بار ضخم ، فحدثني الشيطان وهو ذريعة نتخذها لدفن رؤوسنا من المخجلات ، واخترت زجاجة ضخمة من الفودكا الروسية فانا ايضا اريد احتفل !، ودفعت ثمنها وانا اضحك فقبل دقائق كنت احد الأئمة ، كانت الشوارع خالية الا من بعض السيارات والهدوء يكتنف المكان والطريق طويل فتحت الزجاجة وبدأت ارتشف جرعات صغيرة ، كان طعمها مُر في بداية الأمر ، ولكن بعد الجرعة الرابعة اصبح طعمها مستثاقاً ، وكلما ظهرت سيارة اطلقت الابواق بنصر الفريق الفرنسي علي بلجيكا حتي اندمجت مع السيارات المتواترة وبدات ارفع لهم الزجاجة تحية فرح ، وتعبيراً عن الإنتشاء فيقابلها اصحاب السيارات بالصفافير والأبواق العالية ، ومعها بعض الرقصات الإحتفائية الصاخبة ، اتصلت بصديقي ليدلني علي طريق العودة فقد بدأت الفودكا تتلاعب برأسي ، وتشابهت علي الشوارع ، وكانت نصيحة صديقي الاستمرار في نفس الطريق ، وكانت هنالك سيارة تطلق لي الابواق فمنحتها رقصة الإنتصار ، ورفعت لها زجاجة الفودكا حتي تشعر بالاحتفاء ، لكنها توقفت بجواري والشارع خالي فنظرت ربما يود سائق السيارة نقلي ، وفتح باب السيارة وظهرت (اسماء) وتمعنت لاجد السائق اباها وكانت تنظر لي بدهشة ! تسمرت في مكاني وشعرت بأني اصغر شئ في الوجود ، حتي الزجاجة التي ارفعها عالياً لم استطع إنزالها فقبل دقائق معدودات كنت(خالد بن الوليد) ، وعندما تمعنت في عيونها شاهدت نفسي (الوليد بن يزيد ) وقالت لي بالانجليزية الواضحة : انت كذاب كبير امسح رقم هاتفي لو سمحت ، وصعدت الي السيارة ، لم تعطني فرصة للرد وشعرت بسيارتهم تنطلق ، ووالدها يرمقني بنظرة إحتقار ، قذفت الزجاجة بكل قوة من يدي فتحطمت الي اشلاء ، وتطايرت اجزاءها في كل مكان وانا مخمور ومذهول ومحبط حتي النخاع ، وشاهدت اشلاءها تتكسر لتضئ مثل المسبحة التي إنفرط عقدها فكونت اشلاءها قطعاً صغيرة أشاهد من خلالها ردود لمواجعي ومأساتي كنت اتمني الرد عليها : بان هذا ما تعلمناه من اباطرتنا ؛ فالكذب في اوطاننا صدق ، والائمة في أوطاننا دجالون ، والزعماء في اوطاننا محتالون ، قلوبنا غلف ، وأجسادنا تهوي النساء ، لم اكذب عليك (اسماء) فنحن نسيج من الإسلاموية المزيفة ، والعروبية المحرفة ، الأفريقانية المضطهدة ، ونتشبع بالذكورية الطاغية ، والكبت المغلف ، والحرمان المشكور ، والكذب الممنهج ، والنفاق المحمود ، وصراعنا يتجسد في حب الحرية التي نخاف من تنفيذها ! ، وعشق الديمراطية التي نضطهدها ! ،، ترنحت وانا اقرأ واجمع القطع المنثورة من زجاجة (الوليد بن يزيد ) المهشمة وأناملي تتمزق من حدتها ودمائي تسيل علي الرصيف ، فتركتها مبعثرة مثلي ، وأنا صامت اخشى الصراخ ، فالصراخ في عاداتنا عيبٌ كبير وسيضحك فيك الآخرين …

Ghalib Tayfour

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.