أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

درب المعيشه ما فيهو نبيشه.. رحلة البحث عن حلة ملاح

كان سودان الستينات وما قبلها بلدا رخيا سخيا يمتلئ بالخيرات تعم السكان حتى تفيض على الجيران والحبان.
كانت حوانيت احياء الخرطوم الراقية تزخر بما لذ وطاب من الوان الطعام والشراب وكان يملكها في الغالب الاخوة الأقباط واليونانيون والارمن فكانت (بابا كوستا) وأخواتها مقصدا لعلية القوم والأجانب يبتاعون منها المستورد من الأجبان والزيتون والحلويات اللذيذة والأنواع الفاخرة من العصير والشراب الحلال جنبا إلى جنب مع الشراب غير الحلال يبتاعه (المطاميس) خصوصا ليلة الخميس يوم الصفقة والرقيص.
كانت الحياة هنية والدنيا رخية والناس في فرح ومرح حتى الموظف البسيط والعامل كان يغشى بعد العمل زنك الخضار (مكان مول الواحة الحالي) فيشتري لأبنائه البرتكان ابوصرة وعناقيد العنب والتفاح السكري وارد مصر ولبنان فقد كان المرتب يكفي ويزيد وكان الجنية السوداني عملة صعبة تساوي ثلاثة دولارات كاملة حينما كانت بعض الدول لا تعرف العملة اصلا.
ولكن دوام الحال من المحال فقد جاء زمان انقلبت فيه الموازين وبدأ الناس يعانون شيئا فشيئا وذلك نتيجة للسياسات الاقتصادية الرعناء منذ منتصف السبعينات فهاجر رأس المال الاجنبي وتبعته مجموعات من السودانيين تجاه منابع البترول يطاردون الريال ابو عقال والدرهم والدولار الاخضر ابوصلعة.
بقي في السودان من لم يساعدهم الحظ للخروج هربا من جحيم الأسعار الذي استعر وبدأ البعض يفكر في الخلاص من هذا الوضع التعيس مع البقاء في الداخل.
هدى الله البعض أن يبتدعوا مهنا لم يألفوها بل أن بعضها لا يمت لمؤهلاتهم وخبراتهم بصلة ولكنها مهن شريفة وأعمال نظيفة تدر عليهم ما يعدل الميزان المائل ويغطي المتطلبات المتزايدة يوما بعد الآخر.
اول ما انتبهت لذلك كان حين نويت السفر للخارج لأمر خاص، طلبت عربة ترحال ووقفت انتظر في الخارج، رأيت عربة أنيقة آخر شياكة تتهادى نحوي في دلال فحسبتها عابرة من العابرين للطريق ولكنها وقفت بمحاذاتي ونزل منها شاب انيق ظريف سلم علي بحرارة ثم حمل الشنطة بجدارة ووضعها في الضهرية وفتح لي الباب برشاقة ودعاني للركوب، كل ذلك وانا مذهول انظر في صمت ودهشة.
جلست في المقعد الامامي قرب السائق والأسئلة تزدحم في رأسي عن الشاب الأنيق الذي يعمل في مهنة رأيت انها ربما لا تناسبه بينما هي مهنة شريفة كان ممتهنها في يوم من الأيام من علية القوم. لم أصبر على فضولي طويلا وبعد التحية والسلام بدأ الكلام فرأيت أن ادخل في صلب الموضوع مباشرة خصوصا وأن الرحلة قصيرة. سألته بطريقة غير مباشرة عن تعليمه ومؤهلاته ففاجأني قائلا انه تخرج من الجامعة ونال درجة عليا في تخصص علمي محترم وانه يعمل في مؤسسة تعليمية معروفة.
عرف الشاب بذكائه وتعليمه انني أتساءل عن العلاقة بين العمل الذي يؤديه الآن والمؤهل الاصلي فتبرع بالإجابة قائلا (يا استاذ هذه العربة مولتها لنا جهة العمل وضمنتنا عند الشركة المستوردة على أن ندفع ثمنها اقساطا شهرية وعندما مسكت الورقة والقلم وجدت أن ما يتبقى من المرتب بعد دفع قسط السيارة لا يساوي اكثر من ثلاث جلسات متتالية في احد الفنادق الراقية مع الطعام والشراب والتحلية فتوكلت على الله واشتركت في هذه الخدمة التي وجدت أنها توفر لي اضعاف اضعاف راتبي ادفع اقساط السيارة بارتياح وأبحبح بالباقي واعيش به عيشة هنية). انتهت قصة الشاب الأنيق وكنا قد وصلنا المطار فنفحته قيمة الرحلة وزيادة تحفيزا له على تعظيم العمل الشريف.
بدأت افكر واتقصي من الزملاء فسمعت قصصا مشابهة كلها من عينة قصة هذا الشاب الهميم.
حكى لي صديق انه كان يقصد محلا صغيرا لبيع الرصيد قريبا من منزله. كان يدير هذا المكان شاب ودود لاحظ انه ادخل خدمة جديدة مفيدة له وللآخرين وهي انه سجل أسماء الزبائن الدائمين في دفتر وخصص لكل زبون صفحة كتب فيها اسمه ورقم التليفون وشركة الاتصالات المشترك فيها الزبون وما على الأخير إلا أن يتصل في اي وقت يشاء آناء الليل وأطراف النهار ويطلب رصيدا سواء أكان هو في العمل أو في المنزل فيرسل له الرصيد فورا بدون تأخير فعرف صاحبنا أن وراء هذا العمل المنظم عقل متفتح وتأهيل اكاديمي.سأل بفضول يوما الشاب عن دراسته ومؤهلاته وقد تفاجأ بأن الشاب خريج كلية علمية مرموقة وانه يعمل هذا العمل الاضافي حتى يستطيع أن يوفر المعدات اللازمة ليبدأ شركته الخاصة ويغطي متطلبات الحياة المتزايدة. يقول الصديق انه قد أكبر في ذلك الشاب الروح الوثابة والهمة العالية والطموح الذي جعله لا يستنكف أن يمتهن مهنة لا تتناسب مع مؤهلاته ولكنها توفر له دخلا إضافيا شريفا حلالا بلالا.
وعلى نفس المنوال سمعت قصة زميلة محترمة كانت تعمل في وظيفة محترمة ولكن الزوج كان قد اختفى كأنه تبخر في الهواء ولم (يبان لو صاحب) فكرت تلك المرأة وأمامها كومة عيال ومدارس وايجار ولا معين إلا الله. بحثت وسألت و(البيسال ما بيتوه) حتى اهتدت لفكرة ألمعية. كان الدجاج المبرد آنذاك يباع عن طريق الوكلاء فشقت طريقها مستعينة بالله وبالصبر والصلاة حتى وصلت لأحدهم وكان من أبناء الحلال الذي ما أن استمع الى قصتها حتى خصص لها حصة يومية تستلمها آخر النهار تبيعها لموظفي المصلحة التي تعمل بها وتستعين بالدخل على نوائب الدهر وغلاء الأسعار . اتفقت مع زميل كريم من زملاء العمل فكانا يحضران بعربته قبل نهاية الدوام بقليل فيحملان البضاعة تبيعها للموظفين المنتظرين أمام باب المصلحة دجاجات تزين صدر المائدة وترفع الرأس أمام الضيوف. وهكذا استطاعت أن تتغلب على الظروف ولا تستسلم وتغني مع المغني:
زمني الخاين
ما بدورلو شهود
ظلمك باين
انا جافيت النوم
وبدلا عن ذلك نامت نوما هنيئا بعد أن استطاعت أن تتغلب على الصعاب ومنحنيات الحياة وتعرجاتها.
قصة أخرى ولكنها غريبة بعض الشيء. مغترب عاد عودة نهائية اضطرارية وحجبته الظروف عن الرجوع إلى ديار الغربة مرة اخرى فكيف الخلاص وقد تراكمت الديون وتكالبت عليه الهموم والظنون؟ تذكر في إحدى الليالي المقمرة وهو يتقلب في السرير أن من يعود من الاغتراب عودة نهائية يستحق رخصة مجانية لإدخال اثاثات منزلية للاستعمال الشخصي وربما سيارة وقطعة أرض ففكر ثم دبر وقدر ووصل إلى فكرة ألمعية وهي أن يبحث عن المغتربين الذين توفاهم الله في الغربة فيتفق مع ذويهم لاستخراج تراخيص العفش والسيارة ثم بيعها في سوق الله اكبر واقتسام العائد مع أهل الفقيد وذلك لأن المغترب الحي يقوم بهذه الإجراءات بنفسه حيث انه جالس في البيت لا شغله ولا مشغلة.
لم يضيع الزمن فاقتنى راديو ترانزستر جديد لنج ووضع الورقة والقلم في انتظار نشرة الوفيات في الساعة الثامنة مساء. كان يسجل اسماء من توفاه الله في الغربة مع العنوان كاملا. وفي الصباح الباكر كان يتحمم ويتعمم ويلبس الجلابية الما خمج والمركوب الفاشري الأحمر ويتجه صوب بيوت العزاء مستعينا بدفتر العناوين ومعرفته السابقة بإحياء العاصمة المختلفة بحكم انه من أبنائها. وبعد الفاتحة والسلام والكلام وبعد أن يركز في المهم من أهل العزاء فينتحي به جانبا ويطرح عليه الموضوع ويتفاجأ ممثل الأسرة بالرزق الذي ساقه الله لهم من حيث لا يحتسبون فتنزل عليهم مدرارا فيدعو بالرحمة والمغفرة للفقيد الذي ما انقطعت خيراته عليهم حيا وميتا وهكذا تبدأ رحلة البحث عن المستحقات المستحقة فيقتسمها معهم صاحبنا بنسبة متفق عليها مسبقا ويرجع آخر النهار وقد انتفخ الجيب وسأل المال حتى فاض ثم ما يلبث أن يبدأ رحلة أخرى مع مرحوم آخر شاءت الظروف ألا يقابله في الحياة فقابله بعد الممات. ولكن لم تكن الامور دائما بهذه البساطة فقد تنعكس الظروف وتتعرقل قليلا قبل أن تستعدل.
مغترب آخر جاء من الغربة بحصيلة لابأس بها من العملة (القاسية) وبدأ يفكر في استثمارها حتى هداه تفكيره إلى استيراد (حلل الألمونيا) بعد أن رأى زوجته ونساء الحي يتبادلن الحلل عبر الحوائط القصيرة. استخار الله واستورد كمية معتبرة من حلل الطبيخ من ماركة ذات سمعة حسنة بين النساء ثم اجتهد مع المخلصين حتى استخلصها من الجمارك سالمة غانمة. ولكن دوام الحال من المحال فما أن (تفكفكت) البضاعة حتى كانت المفاجأة أن الأغطية لم تكن على مقاس الحلل فهي اما أصغر او أكبر قليلا. أسقط فى يد صاحبنا وقد فكر جديا فى ارجاعها لمن استوردها منه لتغييرها ولكنه عندما حسب قيمة الشحن إلى بلد المنشأ وجدها مرتفعة جدا فصرف النظر فهذه تكلفة إضافية حتى قيض الله له صديقا (تفتيحة) اقترح عليه توزيعها في الأحياء الطرفية حيث يهتم الناس أكثر بالجوهر لا بالمنظر وقد كان فاستعان بتيم من الشباب جابوا أطراف العاصمة بالأركان يوزعون الحلل بسعر معقول تحتمله تلك الأسر البسيطة وهكذا تم التخلص من الحمولة الثقيلة بأخف الأضرار وخرج من العملية بربح بسيط حمد الله عليه وشكره كثيرا.
وهكذا عزيزي القارئ فقد تمثل كل هؤلاء بالمثل السوداني البسيط (درب المعيشه ما فيهو نبيشه) وهكذا كسب هؤلاء الدنيا والآخرة حيث أدخلوا جيوبهم مالا حلالا أعانهم على هذه الظروف الصعبة التي تحتاج الى تفكير وتدبير حتى تجتازها بسلام وسلامتكم.
* القاهرة / العيلفون

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: