عثمان ميرغني

حديث المدينة // عثمان ميرغني (كان رماك.. برميك في برش)!

 

الشيخ بابكر بدري في مذكراته- النسخة الأصلية- حكى أن عمه كان يردفه على ظهر حمار ليذهب به إلى خلوة لحفظ القرءان في قرية أخرى، في الطريق  مرا بصديق للعم، فسأله إلى أين يصطحب الصبي، رد العم أنه يريد أن يحفظ الصبي القرءان، فقال الرجل للصبي مشجعاً ( القرءان بحفظك، وكان رماك برميك في برش)!!

في إدارة الدولة؛ واحد من المعايير “الشفافية”، مهما كانت المعلومات صادمة فمن حق الشعب أن يعلم طالما الأمر يختص بالدولة، وعِلمُ الشعب (كان رماك برميك في برش) والخطاب هنا للحكومة.. لكن على النقيض من ذلك، ظلام الجهل بما يجري خلف الكواليس في الشأن العام، يجعل الشعب  في موقع “الضد” حتى ولو كان في مصلحته.. ويرفع درجة التوتر ويحجب القدرة على الصبر وانتظار الثمر.

أمس؛ في مؤتمر صحفي مشترك لوزير المالية د. جبريل إبراهيم ومحافظ بنك السودان المركزي السيد محمد الفاتح زين العابدين، قال جبريل أن الحكومة تلقت منحاً خارجية، وفي الطريق أخرى، لكن الحكومة لن تعلن عنها!!

لماذا لا تعلن الحكومة عن هذه المنح؟ هل تخفيها من المانحين أم من الممنوحين؟ ماهي الحكمة في إخفاء بيانات مالية بهذه الأهمية؟ وممن الإخفاء؟ وفرضاً أن الحكومة لا تريد الكشف عن المانح فعلى أقل تقدير كم المنحة؟

في ذاكرتي تصريح حديث للدكتور جبريل أمام مجموعة من عضوية حركة العدل والمساواة قال أنه تولى منصب وزير المالية ليضمن تنفيذ الشق المالي من اتفاق السلام.. وعندما ثارت عاصفة التساؤل كيف يتحول وزير المالية إلى حارس (حساب واحد) من مصروفات الدولة، اضطر للتراجع مبرراً ما قاله بأنه مجرد خطاب داخلي لعضوية الحركة، وهي عبارة تنتهي إلى حقيقة واحدة، أنه تعمد تضليل عضوية الحركة بمعلومات غير صحيحة..

من الأهمية بمكان أن تعلم الحكومة أن معايير الحكم الراشد لم تعد في باب التجمل، بل الفرض دولياً، فالدول والمؤسسات المالية وحتى رؤوس الأموال لا تتحرك إلى حيث تصفو الأجواء بلا كَدَر وتظهر المعلومات بلا حَذَر.

الشفافية في إدارة الدولة أقصر طريق لكسب ثقة الشعب وتعاون وشراكة المجتمع الدولي، لكن تطويع المعلومات سياسياً دون سند من الحقيقة، يجلب الضررين العاجل والآجل معاً..

الحكومة قررت “تعويم” سعر الجنيه السوداني، هو قرار كبير وخطير، أشبه بعملية جراحية فمهما كان الطبيب ماهراً والجراح حاذقاً فإن حزمة إجراءات وترتيبات تمهيدية لابد منها، قياس الدم والضغط وإجراء اختبارات عامة  على الجسم، وحتى في آخر لحظة قبل أن يمسك الجراح بمشرطه إذا لاحظ ارتفاعاً في ضربات القلب أو السكر أو الضغط فإنه يوقف العملية الجراحية لحين ميسرة من الحال الصحي العام.

تعويم العملة  بمثابة عملية جراحية  للاقتصاد تتطلب الاشتراطات ذاتها، وعلى رأسها خطاب جماهيري يجعل الشعب شريكاً في القرار لا مجرد متلق لمصائبه. فهل استكملت الحكومة هذه الاشتراطات؟ بل للدقة هل كان في خاطر الحكومة هذه الاشتراطات؟

أم أن الحكومة تعامل الشعب بنظرية (البيشيل فوق الدبر.. ما يميل)!!

The post حديث المدينة // عثمان ميرغني (كان رماك.. برميك في برش)! first appeared on التيار نت.

المصدر : التيار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: