أبرز الأخبارأخبار السودانعناوين الاخبار

أنقذوا خدمتنا المدنية

المجتمع السوداني كغيره من المجتمعات الإفريقية والشرق أوسطية، يتميز بالتنوع القبلي والإنثي المعقد، وهي سمة اتسمت بها جمهورية السودان على مدى تاريخها القديم، ولكن بينما كانت القبيلة سابقاً وسيلة تعارف فقط، أصبحت مؤخرا عنصرا أساسيا في تحديد مكانة الشخص داخل المجتمع، وعنوانا يحدّد مدى قبوله داخل مجتمعه، أي أصبحت القبيلة هي المحدد الأساسي لطريقة تعامل الطرف الآخر معك. وهذا كان نتاجا طبيعيا لاستخدام الإدارة والإرادة السياسية تركيبةَ المجتمع، لتحقيق الأجندة السياسية، والحزبية الضيقة من أجل البقاء لأطول مدة في السلطة. وقد تسبب هذا الأمر في تفشي القبلية، والعنصرية السلبية في المجتمع، وزاد من الغبن المجتمعي، الذي وصل لدرجة الاحتقان.
فقد جعل الخطاب السياسي المؤجج للقبلية، والاستقطاب السياسي المبني على المكون القبلي للمجتمع- جعل القبيلة هي الوسيلة الوحيدة، التي تقاس بها قوة وأهمية السياسي، ومكانته داخل الحزب، وبالتالي بها يستطيع السياسي الوصول إلى المواقع السياسية المرموقة في المجتمع. أضف إلى ذلك جعل ولاء وانتماء الأشخاص للقبيلة، أكثر من ولائهم وانتمائهم للوطن.
ومن منطلق أن الأشخاص هم أساس المجتمع، فبالتالي سادت هذه الروح في كل قطاعات الدولة والمجتمع، وأصبح العامل والموظف والمسؤول يتحرك بالدافع القبلي، وليس بالدافع الوطني. هذا الوضع انعكس بصورة مباشرة على مستوى أداء المؤسسات الوطنية، وأثر فيها تأثيراً سلبياً. أيضاً كان هذا الوضع دافعاً رئيسياً في تشكيل عملية تعيين الكوادر المفصلية في الدولة؛ لتصبح مبنية سراً على الانتماء القبلي للشخص، وليس مؤهلاته العلمية، وخبراته العملية. ونجد اليوم الكثير من الحديث يدور حول لماذا يشار إلى السوداني بالبنان في كل دولة يعمل فيها خارج بلده، وعندما يأتي للعمل في السودان لا يستطيع أن ينجح  في إحداث تغيير؟ نستطيع القول هنا أن المعادلة بسيطة جداً، عندما تقدم لشخص شيئاً ما بلا مقابل لا يأبه به كثيراً، مهما كانت قيمته. إن العطاء بلا مقابل يجعل الأشخاص لا يجتهدون في وظائفهم، التي وصلوا لها بناءً على خلفياتهم الإثنية، وليس عن طريق مؤهلاتهم، عكس ما يحدث في الخارج تماماً. كذلك، نفسياً، فإن الأشخاص يهتمون بنقاط قوتهم، ويسعون إلى المحافظة عليها، وهنا القبيلة هي نقطة القوة.
عندما يحصل أي شخص في أي مجتمع على وظيفة، أو مكانة في الدولة بناءً على انتمائه القبلي أو الإثني- لن يأبه بها كثيراً، لأنه باختصار لا يعرف قدرها، ومدى أهميتها، بل سوف يعمل على تمجيد القبيلة، التي هي مصدر قوته، التي حصل بها على الوظيفة، أو المكانة الاجتماعية، أو الموقع السياسي المرموق، ومتى ما سمح له بذلك، سوف يقدم مصلحة القبيلة على المصلحة الوطنية في كل قرار، دعك عن قبول الآخر، أو التفكير في مصلحة شركائه الآخرين في المجتمع، الذين هم بدورهم أيضاً يتعاملون بالنهج نفسه، وبالدوافع ذاتها.
في ظل هذا الصراع والانتماء الحادّ للقبيلة- يندثر الانتماء الوطني، وتضعف الدولة، ويتراجع مستوى الحياة في البلد، ويضعف أداء مؤسسات الدولة؛ وصولاً إلى الانهيار الكامل، لأنه باختصار ليس هناك من يكترث للمؤسسة أو الوطن أو المصلحة الوطنية. وبالمقابل تقوى القبيلة، وتزداد قوتها، وتأثيرها في مجريات الحياة اليومية، يوماً بعد يوم.
لذلك فإن تعزيز الهوية الوطنية السودانية- يعدّ أحد أهم القضايا الإستراتيجية، التي ينبغي التركيز عليها في المرحلة القادمة للتأسيس لوطن، يتحلّى مواطنوه بالولاء الوطني، والانتماء لهوية قومية تُشكّل “الدينمو” المحرك لكل الأفراد والمؤسسات في الدولة، الأمر الذي سيصب حتماً في المصلحة القومية، وسيسهم بصورة ملموسة في إحداث التغيير، الذي يطمح إليه الإنسان السوداني، الذي عانى الكثير من الانتماء القبلي الضيق بين التهميش، وفقدان حياته في الصراعات القبيلة، والرجعية في تسيير دولاب العمل في مؤسسات الدولة. وعندما نستخدم مفردة “الرجعية” هنا، فإننا نقصد بها عدم وجود هدف واضح، وُضع في إطار استراتيجية قومية للدولة، توجه مؤسساتها لتحقيقه داخلياً وخارجياً.

المصدر: صحيفة السوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: